تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وفي قوله :
( الْحَيِّ )
إيماء إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل على من لم يتصف بالحياة من صنم أو وثن ، ولا على من لا بقاء له ممن يموت ، لأنه إذا مات ضاع من توكل عليه . وحكى عن بعض السلف أنه قرأ هذه الآية فقال : لا ينبغي لذي لب أن يثق بعدها بمخلوق . ثم أنذرهم وحذّرهم بأن ربهم محص أعمالهم عليهم ، ومجازيهم عليها يوم القيامة فقال :
( وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً )
أي وحسبك بالحي الذي لا يموت خبيرا بذنوب خلقه ما ظهر منها وما بطن ، فهو لا يخفى عليه شئ منها ، وهو محصيها عليهم ومجازيهم عليها ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فلا عليك إن آمنوا أو كفروا . وفي هذا ساوة لرسوله ، ووعيد لأولئك الكافرين على سوء أفعالهم ، وإعراضهم عن اتباع رسوله ومناصبته العداء ، وكأنه قيل : إذا أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة . ثم وصف نفسه بذكر أفعاله التي تجعله حقيقا أن يتوكّل عليه فقال :
( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ )
تقدم إيضاح هذا في سور يونس وهود وطه ، ولكن يلاحظ هنا أنه تعالى وصف نفسه بالأبدية والعلم الشامل ، ثم بخلق السماوات والأرض ليقرر وجوب التوكل عليه ويؤكده ، فإن من أحدث هذه الأجرام العظيمة على ذلك النمط البديع وجعلها مرفوعة بغير عمد في تلك الأيام ، وقد كان قديرا على إبداعها دفعة واحدة بقدرته التي لا تقف على كنهها العقول - جدير بأن يتوكّل عليه ويفوّض أمره إليه .
( الرَّحْمنُ )
أي عظيم الرحمة بكم ، والحدب عليكم ، فلا تعبدوا إلا إياه ولا تتوكلوا إلا عليه . وخلاصة ذلك - توكلوا على من لا يموت وهو رب كل شئ وخالقه وخالق السماوات السبع على ارتفاعها واتساعها وما فيها من عوالم لا يعلم كنهها إلا هو ، وخالق