( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً )
أي فصيرناها كذلك ، وميزنا بين أجزائها ، فما كان منها من العناصر الداخلة في تكوين العظام جعلناه عظاما ، وما كان من مواد اللحم جعلناه لحما ، والمواد الغذائية شاملة لذلك ومنبثة في الدم ، ومن ثم قال :
( فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً )
أي فجعلنا اللحم كسوة لها ، من قبل أنه يستر العظام ، فأشبه بالكسوة الساترة للجسم .
( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ )
مباينا للخلق الأول ، إذ نفخنا فيه الروح وجعلناه حيوانا بعد ما كان أشبه بالجماد ، ناطقا سميعا بصيرا ، وأودعنا فيه من الغرائب ظاهرها وباطنها ما لا يحصى .
وقد قال العلماء : إن جميع أعضاء الإنسان مقسمة تقسيما دقيقا على نسب معينة مقيسة بشبره ، فطوله ثمانية أشبار بشبره ، وإذا مدّ يديه إلى أعلى كان عشرة أشبار بقياسه ، وإذا مد يديه إلى الجانبين كان طولهما كطوله على السواء ، ومن ثمّ جعل المصريون أصل المقاييس الشبر ، وجعلوا كل ضلع من أضلاع الهرم الأكبر بالجيزة ألف شبر بشبر الإنسان .
( فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ )
أي فتنزه ربنا جلت قدرته ، وهو أحسن المقدّرين المصورين .
عن أنس قال : قال عمر « وافقت ربى في أربع ، قلت يا رسول اللّه لو صلينا خلف المقام فأنزل اللّه
« وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى »
وقلت يا رسول اللّه لو اتخذت على نسائك حجابا ، فإنه يدخل عليك البرّ والفاجر فأنزل اللّه
« إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ »
وقلت لأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لتنتهنّ أو ليبدلنه اللّه أزواجا خيرا منكن فنزلت
« عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ »
الآية ونزلت
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ
- إلى قوله -
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
، فقلت :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : هكذا أنزلت يا عمر أخرجه الطيالسي .