قال صاحب الكشاف : والكلام على هذا التفسير صحيح لالتقاء الطائفتين في أن كلا منهما منفى عنه الحرج ، ومثاله أن يستفتى مسافر عن الإفطار في رمضان وحاجّ مفرد عن تقديم الحلق على النحر فتقول : ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاجّ أن تقدّم الحلق على النحر اه .
قال الحسن : أنزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع اللّه عنه الجهاد وكان أعمى .
وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن عمرو ، وكان قد خرج مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غازيا وخلف مالك بن يزيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك .
الإيضاح
( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ )
أي ليس على هؤلاء الثلاثة إثم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم : قاله عطاء وزيد بن أسلم .
ونحو الآية قوله في سورة براءة :
« لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ »
.
وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن المراد من الحرج المنفي في الآية الحرج في الأكل ؛ ذلك أنه لما نزل قوله تعالى :
« وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ »
تحرّج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام . فأنزل اللّه هذه الآية . والمعنى على هذه الرواية : ليس في مؤاكلة الأعمى ولا ما بعده حرج .
( وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ )
أي ولا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ، ويشمل ذلك بيوت الأولاد ، لأن بيت الولد كبيته ؛
لقوله صلّى اللّه عليه وسلم « أنت ومالك لأبيك »
و
قوله « إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه ، وإن ولده من كسبه »
.