تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
ثم ذكر السبب في شغل أنفسهم بالعبادة فقال :
( يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ )
أي إنهم يخافون عقاب يوم تضطرب فيه الأفئدة من الهول والفزع ، وتشخص فيه القلوب والأبصار من الهلع والحيرة والرعب والخوف ونحو الآية قوله :
« وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ »
وقوله :
« إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ »
. ثم بين مآل أمرهم وحسن عاقبتهم فقال :
( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا )
أي يفعلون هذه القربات من التسبيح والذكر وإيتاء الزكاة مع الخوف من عذاب يوم القيامة - ليثيبهم اللّه على حسناتهم التي فعلوها ، فرضها ونفلها ، واجبها ومستحبها . ونحو الآية قوله :
« إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ، فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ، وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً »
. وفي قوله
( أَحْسَنَ ما عَمِلُوا )
إيماء إلى أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم .
( وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ )
أي يجزيهم بأحسن الأعمال ، ويضاعف لهم ما يشاء كما قال :
« مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها »
وقال :
« لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ »
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم حكاية عن ربه : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . ثم نبه إلى كمال قدرته وعظيم جوده وسعة إحسانه فقال :
( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ )
أي إنه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب ، فهم لما اجتهدوا في الطاعة ، وخافوا ربهم أشد الخوف - جازاهم بالثواب العظيم على طاعتهم وزادهم الفضل الذي لا غاية له ، لخوفهم من قهره وشديد عذابه .