ثم أمرهم سبحانه أن يسألوا في ذلك أهل الكتاب من اليهود والنصارى تبكيتا لهم وإزالة لما علق بأذهانهم من الاستبعاد بعد أن بين لهم وجه الحق فقال :
( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
أي فاسألوا أهل الكتاب ممن يؤمن بالتوراة والإنجيل - يخبروكم عن ذلك إن كنتم لا تعلمون الحق ، ولا يستبين لكم الصواب .
وبعد أن بين أنه صلّى اللّه عليه وسلم على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا - بين أنه على سنتهم في سائر الأوصاف التي حكم بها على البشر في معيشتهم وموتهم فقال :
( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ )
أي وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك إلى الأمم الماضية قبل أمتك - جسدا لا يأكلون الطعام : أي لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام ، بل جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام وتعرض لهم أطوار البشر جميعا من صحة ومرض وسرور وحزن ونوم ويقظة ، وما كانوا مخلّدين لا يموتون ولا يفنون ، ولكنهم غبروا حينا من الدهر وهم أحياء ثم طواهم الثرى وضمتهم القبور .
وخلاصة ذلك - إنا جعلنا الرسل أجساما تتغذّى حين الحياة ، ثم يصير أمرها إلى الفناء بعد استيفاء آجالها ، ولم نجعلهم ملائكة لا يتغذون ، وما كانوا مخلدين بأجسادهم ، بل يموتون كما مات الناس قبلهم وبعدهم ، وإنما امتازوا عن غيرهم من سائر الناس بما يأتيهم عن اللّه من الوحي والزلفى عنده .
( ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ )
أي إنا أرسلنا رسلا من البشر وصدقناهم وعدنا فنصرناهم على المكذبين وأنجيناهم هم ومن آمن معهم وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم بتكذيبهم رسل ربهم .