تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩

المعنى الجملي

بعد أن ذكر الهداية والإرشاد بالقرآن الكريم - قفّى على ذلك بالاستدلال بالآيات والدلائل التي في الآفاق ، وهي برهان نير لا ريب فيه ، وطريق بيّن لا يضلّ من ينتحيه .

الإيضاح

( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ )
أي وجعلنا الليل والنهار دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا ، أما في الدين فلأن كلا منهما مضادّ للآخر ومخالف له ، مع تعاقبهما على الدوام ، وهذا من أقوى الأدلة على أنه لا بد لهما من فاعل مدبر يقدّرهما بمقادير مخصوصة ، وأما في الدنيا فلأن مصالحه لا تتم إلا بهما ، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة ، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش .
( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ )
أي فمحونا آية هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلمة لا يستبين فيه شئ ، كما لا يستبين ما في اللوح الممحوّ ، روى ذلك عن مجاهد .
( وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً )
أي وجعلنا الآية التي هي النهار مضيئة ومبصرة أي يبصر أهلها فيها .
( لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ )
أي فعلنا ذلك ، لتطلبوا لأنفسكم فيه رزقا من ربكم ، إذ لا يتسنى ذلك في الليل ، وفي التعبير عن الرزق بالفضل ، وعن الكسب بالابتغاء ، مع ذكر صفة الربوبية الدالة على الوصول إلى ذلك شيئا فشيئا - دلالة على أنه ليس للمرء في تحصيل الرزق سوى الطلب بالأسباب العادية ، وفي الخبر « يطلبك رزقك ، كما يطلبك أجلك » وقيل :
ولقد علمت وما الإشراف من خلقي * أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعيينى تطلّبه * ولو قعدت أتاني لا يعنّينى