تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ )
أي إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده ويعمروه بذكرك وعبادتك .
( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ )
أي فاجعل قلوب بعض الناس محترقة شوقا إليهم .
( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ )
أي وارزق ذريتي الذين أسكنتهم هناك من أنواع الثمار بأن تجبى إليهم ذلك من شاسع الأقطار ، وقد استجاب اللّه ذلك كما قال :
« أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا »
قال الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا في كتابه ( الإسلام والطلب الحديث ) دعاء سيدنا إبراهيم يفسر ما قلناه ، وهو أن الدعاء سنة طبيعية لا أكثر ولا أقل ، فالنبي يدعو ربه ليلهم الناس حج البيت ، فهو يستعين بسنة طبيعية وهي إلهام الخالق لنا حج البيت مع أنه يعلم أن اللّه قادر على أن ينزل عليهم رزقا من السماء ، ولكن النبي ضرب لنا مثلا في طريق استعمال الدعاء وقيمته ، فالدعاء لا يلغى سنة طبيعية ولا يأتي بالمعجزات ، ولكن الداعي يطلب من الخالق الهداية إلى إحدى السنن الطبيعية وسأضرب لك مثلا بالنسبة للمريض وعلاجه ، فقد أخبرني البعض أن من يطلب الطبيب لا يستعين بالدعاء ، والحقيقة غير ذلك ، فالوالد الذي يدعو ربه لشفاء ولده ، لا فائدة من دعائه إذا كان ولده قد مات أو إذا كان مرضه مميتا حتما ، ولكن قد يكون للمرض طرق علاج خاصة ، أو يشفى من نفسه في ظروف خاصة ، فالدعاء في هذه الحال معناه إلهام المريض ومن حوله من طبيب وغيره استعمال الطريق المؤدى إلى الشفاء ، والطبيب يحتاج دائما إلى هذا الإلهام ، وكم من مرة يقف في مفترق الطرق ولا يدرى أية ناحية يسلك ، وكل طريق سنة طبيعية تؤدى إلى نتيجة خاصة ، والدعاء هداية إلى السنة المؤدية إلى الشفاء ، وهكذا يكون الدعاء والتطبيب وكل أعمال الإنسان يكمّل بعضها بعضا وليست متناقضة ، فدعاء سيدنا إبراهيم معناه أن يلهم الناس بواسطة القوانين الطبيعية حج البيت ، وقد يقال ولكننا لا نشعر بإلهام من عند اللّه ، وكل أفعالنا نتيجة مباشرة لتفكيرنا ، والشخص الذي يحج
تفسير المراغي — صفحة 160 | أحمد مصطفى المراغي