تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣

الإيضاح

( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ )
أي قالوا حين رجوعهم إلى أبيهم : إن عزيز مصر أصدر أمره بمنع الكيل لنا في المستقبل إن لم نحضر معنا أخانا بنيامين فقال :
( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي )
.
( فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ )
من الطعام ما نحتاج إليه بقدر عددنا ونكون قد وفّينا له بما شرط علينا ، والعرب تقول كلت له الطعام إذا أعطيته ، واكتلت منه وعليه إذا أخذت منه أو توليت الكيل بنفسك .
( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ )
في ذهابه وإيابه ، فلا يناله مكروه تخافه ، وكأنهم كانوا يعتقدون أن أباهم لا بد أن يرفض إجابتهم خوفا عليه من أن يحدث له مثل ما حدث ليوسف بدافع الحسد من قبل ، فكان جوابه لهم ما حكى اللّه سبحانه عنه .
( قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ )
أي هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل ، تغيّبونه عنى وتحولون بيني وبينه ، وقد قلتم مثل هذا الكلام في يوسف إذ ضمنتم حفظه وقلتم
( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ )
ثم خنتم في عهدكم وكذبتم فأضعتم يوسف ، فأنتم لا يوثق لكم بوعد ، ولا يطمأنّ منكم إلى عهد ، فما أشبه الليلة بالبارحة .
( فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً )
أي فأنا أتوكل على اللّه في حفظ بنيامين لا على حفظكم .
( وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )
فأرجو أن يرحمني بحفظه ، ولا يبتلينى بفقده ، كما ابتلاني من قبل يفقد أخيه يوسف ، فرحمته واسعة ، وفضله عظيم . وهذا كما ترى ، فيه ميل منه إلى الإذن والإرسال ، لما رأى من شدة الحاجة إلى ذلك ، ولأنه لم ير فيما بينهم وبين بنيامين من الحقد والحسد مثل ما شاهد بينهم وبين يوسف ، وفيه من التوكل على اللّه ما لا خفاء فيه .