تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وروى عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : أفرس الناس ثلاثة : عزيز مصر حين قال لامرأته
( أَكْرِمِي مَثْواهُ )
والمرأة التي قالت لأبيها
( يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ )
الآية وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب رضى اللّه عنهما . ثم بين علة إكرامه برجائه فيه وعظيم أمله في جليل مساعدته فقال :
( عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً )
أي علّه أن ينفعنا في أمورنا الخاصة إذا تدرّب فيها وعرف مواردها ومصادرها أو شؤون الدولة العامة لما يلوح عليه من مخايل الذكاء والنجابة ، أو نتبناه ونقيمه مقام الولد فيكون قرة عين لنا ووارثا لما لنا ومجدنا ، إذا تم رشده ونضج عقله . وفي الآية إيماء إلى شيئين . ( 1 ) إن العزيز كان عقيما . ( 2 ) إنه كان صادق الفراسة ثاقب الفكر ، فقد استدل من كمال خلقه وخلقه على أن حسن عشرته وكرم وفادته وشرف تربيته مما يكمل استعداده الفطري ، فالتجارب دلت على أنه لا يفسد الأخلاق شئ أكثر مما تفسدها البيئة الفاسدة وسوء القدوة
( وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ )
أي وعلى ذلك النحو من التدبير جعلنا ليوسف مكانة عالية في أرض مصر كان مبدؤها عطف العزيز عليه ورجاءه فيه ، فوقع له في بيته ثم في السجن من الأحداث ما كان سببا في اتصاله بساقى الملك ثم بالملك نفسه .
( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ )
أي ولنعلمه بعض تعبير الرؤيا ، ومعرفة حقائق الأمور ، مما ينتهى إلى غاية التمكين لدى الملك ، حتى ليقول له :
« اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ »
ويقول له الملك
« إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ »
( وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
أي واللّه غالب على كل أمر يريده ، فلا يغلب على شئ منه ، بل يقع كما أراد
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
فما حدث من إخوة يوسف له وما فعله مسترقّوه وبائعوه وما وصّى به الذي اشتراه امرأته من إكرام مثواه ، وما وقع له مع هذه المرأة من الأحداث ومن دخوله السجن - قد كان من الأسباب التي أراد اللّه تعالى له بها التمكين
تفسير المراغي — صفحة 126 | أحمد مصطفى المراغي