السيارة وباعوه بيع العبيد ، وكادت له امرأة العزيز فزجّ في السجن فصبر على أذى الإخوة وكيد امرأة العزيز ومكر النسوة ، إذ علم ما في الفاحشة من مفاسد ، وما في العدل والإحسان من منافع ومصالح ، فآثر الأعلى على الأدنى فاختار عقوبة الدنيا بالسجن على ارتكاب الإثم ، وكانت العاقبة أن نجّاه اللّه ورفع قدره ، وأذل العزيز وامرأته ، وأقرت المرأة والنسوة ببراءته ، ومكّن له في الأرض وكانت عاقبته النصر ، والملك والحكم ، والعاقبة للمتقين ، قال سبحانه :
« وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ »
.
وأما عدله وأمانته وعلمه وحكمته فقد ظهرت جليّا حين تولى الحكم في مصر أيام السبع السنين العجاف التي أكلت الحرث والنسل وكادت توقع البلاد في المجاعات ، ثم الهلاك المحقق لولا حكمته وعدله بين الناس والسير بينهم بالسوية وعلى الصراط المستقيم بلا جنف ولا ميل مع الهوى .
ما في قصص يوسف من عبرة
إن في هذه القصة لعبرة أيّما عبرة لعلية القوم وساداتهم ، رجالهم ونسائهم ، مجانهم وأعفائهم ، من نساء ورجال ، فإن امرأة العزيز لم تكن من قبل غويّة ولا كانت في سيرتها غير عادية ، لكنها ابتليت بحب هذا الشاب الفاتن الذي وضعه عزيز مصر في قصره ، وخلّى بينه وبين أهله ، فأذلت نفسها له ، بمراودته عن نفسه فاستعصم وأبى وآثر مرضاة ربه ، فشاع في مصر دورها وقصورها ذلها له ، وإباؤه عليها كما قال سبحانه
« وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ »
.
وقد ذكرنها بالوصف
( امْرَأَتُ الْعَزِيزِ )
دون الاسم الصريح استعظاما لهذا الأمر منها ، ولا سيما وزوجها عزيز مصر أو رئيس حكومتها ، وقد طلبت الفاحشة من مملوكها