تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦

سورة يوسف عليه السلام

تقدمة لتفسير سورة يوسف

رأينا أن نقدّم لك أيها القارئ صورة موجزة تبين لك حال هذا النبي الكريم والعبرة من ذكر قصته في القرآن العظيم ، لتكون ذكرى للذاكرين ، وسلوة للقارئين والسامعين .

يوسف الصديق : مثل كامل في عفّته

يوسف عليه السلام آية خالدة على وجه الدهر ، تتلى في صحائف الكون بكرة وعشيا ، تفسّر طيب نجاره وطهارة إزاره ، وعفته في شبابه ، وقوّته في دينه ، وإيثاره لآخرته على دنياه ، وأفضل هداية تمثل للنساء والرجال المثل العليا في العفة والصيانة التي لا تتم لأحد من البشر إلا بصدق الإيمان باللّه ومراقبته له في السر والعلن . وسورته منقبة عظمى له ، وآية بينة في إثبات عصمته ، وأفضل مثل عملي يقتدى به النساء فالرجال ، فبتلاوتها يشعر القارئ بما للشهوة الخسيسة على النفس من سلطان ويسمع بأذنه تغلب الفضيلة في المؤمن على كل رذيلة ، بقوة الإرادة ووازع الشرف والعصمة ؛ ففيها أحسن الأسوة للمؤمنين من الرجال والنساء ، فيها قصة شاب كان من أجمل الناس صورة ، وأكملهم بنية ، يخلو بامرأة ذات منصب وسلطان وهي سيدة له وهو عبدها ، يحملها الافتتان بجماله على أن تذلّ نفسها له ، وتخون بعلها فتراوده عن نفسه ( وقد جرت العادة حتى في الطبقات الدنيا منزلة وتربية أن يكون النساء مطلوبات لا طالبات ) فيسمعها من حكمته ، ويريها من كماله وعفته ما هو أفضل درس في الإيمان باللّه والاعتصام بحبله المتين ، وفي حفظه أمانة سيده الذي أحسن مثواه فيقول :
« إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ »
فتشعر حينئذ بالذل والمهانة ، والتفريط في الشرف والصيانة ، وتحقير مقام السيادة والكرامة . إلا أن فيها أعظم دليل على صبره وحلمه وأمانته وعدله ، وحكمته وعلمه ، وعفوه وإحسانه ، فكفى شاهدا على صبره أن إخوته حسدوه فألقوه في غيابة الجب وأخرجته
تفسير المراغي — صفحة 106 | أحمد مصطفى المراغي