تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً )
أي ولو شاء ربك أن يؤمن أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا بأن يلجئهم إلى الإيمان قسرا ، أو يخلقهم مؤمنين طائعين كالملائكة لا استعداد في فطرتهم لغير الإيمان . وجاء في معنى الآية قوله
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا »
وقوله
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً »
. وخلاصة ذلك - أنه لو شاء ربك ألا يخلق الإنسان مستعدا بفطرته للخير والشر والإيمان والكفر ، ومرجحا باختياره لأحد الأمور الممكنة على ما يقابله بإرادته ومشيئته - لفعل ذلك ، ولكن اقتضت حكمته أن يخلقه هكذا يوازن باختياره بين الإيمان والكفر ، فيؤمن بعض ويكفر آخرون .
( أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )
أي إن هذا ليس بمستطاع لك ولا من وظائف الرسالة التي بعثت بها أنت وسائر الرسل الكرام كما قال تعالى
« إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ »
وقال
« وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ »
وقال
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ »
.
( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ )
أي وما كان لنفس بمقتضى ما أعطاها اللّه من الاختيار والاستقلال في الأفعال ، أن تؤمن إلا بإرادة اللّه ومقتضى سننه في الترجيح بين المتقابلين ، فالنفس مختارة في دائرة الأسباب والمسببات ، ولكنها غير مستقلة في اختيارها استقلالا تاما - بل مقيدة بنظام السنن والأقدار الإلهية .
( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ )
أي وإذا كان كل شئ بإذنه وتيسيره ومشيئته التي تجرى بقدره فهو يجعل الإذن وتيسير الإيمان للذين يعقلون آياته ويوازنون بين الأمور ، فيختارون خير الأعمال ويتقون شرها ، ويرجّحون أنفعها على أضرها بإذنه تعالى وتيسيره ، ويجعل الخذلان والخزي المرجح للكفر والفجور على الذين لا يعقلون ولا يتدبرون ، إذ هم لخطل رأيهم وسلوك سبيل الهوى يرجحون الكفر على الإيمان والفجور على التقوى .
تفسير المراغي — صفحة 158 | أحمد مصطفى المراغي