أنذرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولا مجال في ذلك للمكابرة والتأويل .
( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا )
أي إنه تعالى سميع لما يقول أصحابك ، عليم بما يضمرونه ، إذ يريك اللّه عدد عدوك وعدوهم قليلا في الرؤيا المنامية ، فتخبر بها المؤمنين ، وتطمئن قلوبهم ، وتقوى آمالهم بالنصر ، فيجترءون عليهم .
( وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ )
أي ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرا لفشل أصحابك وخافوا ولم يقدروا على حرب القوم ، ولوقع بينهم النزاع وتفرق الآراء في أمر القتال ، إذ منهم القوىّ الإيمان والعزيمة ، فيطيع اللّه ورسوله ويقاتل ، ومنهم الضعيف الذي يثبّط عن القتال بمثل الأعذار التي جادلوا بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم في قوله
« يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ »
.
( وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ )
أي ولكن اللّه سلمكم من الفشل والتنازع وتفرق الآراء ، وما يعقب ذلك من الانكسار والخذلان .
( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ )
أي إنه تعالى عليم بما تخفيه الصدور من شعور الجبن والجزع الذي تضيق به فتحجم عن القتال ، ومن شعور الإيمان والتوكل الذي يبعث في النفس الطمأنينة والصبر فيحملها على الإقدام ، ويسخر لكل منهما الأسباب التي تفضى إلى ما يريده منها .
( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا )
الخطاب هنا للرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، أي وفي الوقت الذي يريكم اللّه الكافرين عند التلاقي معهم عددا قليلا ، بما أودع في قلوبكم من الإيمان بوعد اللّه بنصركم وبتثبيتكم بملائكته والاستهانة بهم ، ويقللكم في أعينهم لقلتكم بالفعل ، ولما كان عندهم من عجب وغرور بأنفسهم حتى لقد قال أبو جهل : إنما أصحاب محمد أكلة جزور ( أي لقلتهم يكفيهم جزور واحد في اليوم ) .