وراءهم ظهريا وأبقوا الجيّد الذي لا لبس فيه ولا شك في صحة روايته لكان خطبهم قد استفحل في الإسلام وأفسدوا كثيرا منه على أهله ، ولكن اللّه قد حفظ الحنيفية لأهلها بيضاء نقية سمحة لا عنت فيها ولا إرهاق :
ثم حكى ما قاله قومه بعد أن رأوا من موسى ما رأوا .
( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ )
أي قال الأشراف من قوم فرعون وهم أهل مشورته ورؤساء دولته : إن هذا لساحر عليم : أي ماهر في فنون السحر قد وجه كل همه لسلب ملككم منكم وإخراجكم من أرضكم بسحره ، إذ به يستميل الشّعب وينتزع منكم الملك ، ثم يخرج الملك وعظماء رجاله من البلاد حتى لا يناوءوه في شؤون الملك واستعادته منه .
وقد أبان هذا المعنى بوضوح بقوله في سورة يونس حكاية عنهم من مراجعتهم لموسى وأخيه :
« قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ »
.
ولم يكن هذا القول منهم إلا صدى لما قاله فرعون وقد حكاه اللّه عنه في سورة الشعراء بقوله :
« قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ »
وقد ردّدوه بعده وصار بعضهم يلقيه إلى بعض كما هي عادة الناس في ترديد كلام الملوك والرؤساء إظهارا للموافقة عليه وتعميما لتبليغه ، وبعد أن أتموا مقالتهم موافقين ما قاله فرعون تشاوروا في أمره بما ذا يحتالون لإطفاء نوره وإخماد نار دعوته متخوّفين أن يستميل الناس بسحره ، فاتفقت كلمتهم على ما حكاه اللّه عنهم بقوله :
( قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ )
أي قال الملأ لفرعون حين استشارهم بقوله : فما ذا تأمرون ؟ أخّر الفصل في أمره وأمر أخيه وأرسل في مدائن ملكك جماعات من رجال شرطتك وجندك حاشرين : أي جامعين لك السحرة منها وسائقيهم إليك