تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وبعد أن بين سبحانه لرسوله أن الناس في شأن القرآن فريقان ، فريق فسدت فطرتهم ولم يبق لديهم استعداد لهداه ، ولا للعلم بما فيه من تصريف الآيات ، ومن ثم كان نصيبهم منه الجحود والإنكار ، وفريق آخر اهتدى به وعمل بما فيه - أمره أن يتبع ما أوحى إليه من ربه بالبيان له والعمل به فقال :
( اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ )
أي اتبع ما أوحى إليك لتربى نفسك وتكون إماما لأبناء جنسك ، فإن الاقتداء لا يتم إلا بمن يعمل ، بما يعمله ، ويأتمر بما يأمر ؛ ثم قرن ذلك باعتقاد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، فالخالق المربّي للأشباح بما أنزل من الرزق ، وللأرواح بما أنزل من الوحي هو المعبود الواحد الذي لا شريك له المجازى على الأعمال ، التي لا تقبل شفاعة ولا فداء . ثم أمره بعدئذ بالإعراض عن المشركين بألا يبالي بإصرارهم على الشرك ، ولا بمثل قولهم درست ، لأن الحق يعلو متى ظهر بالقول والعمل مع الإخلاص ، ولا يضره الباطل بتزيينه بزخارف الأقوال ولا بالانكباب على خرافات الأعمال ؛ ثم هوّن عليه أمر الإعراض عنهم فقال :
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا )
أي ولو شاء اللّه ألا يشركوا لما أشركوا بأن يخلق البشر مؤمنين طائعين بالفطرة كالملائكة ، لكنه خلقهم مستعدين للإيمان والكفر ، والتوحيد والشرك ، والطاعة والفسق ، ومضت سنته بأن يكونوا مختارين في أعمالهم وفي كسبهم لعلومهم وأعمالهم ، وجعل منها الخير والشر ، وإن كانت غرائزهم وفطرهم كلها خيرا .
( وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ )
أي وما جعلناك عليهم حفيظا تحفظ عليهم أعمالهم لتحاسبهم عليها وتجازيهم بها ، ولا وكيلا تتولى أمورهم وتتصرف فيها .