إذ من جعل شهوة بطنه أكبر همه كان من المسرفين ، ومن بالغ في الشبع وعرّض معدته وأمعاءه للتّخمة كان من المسرفين ، ومن أنفق في ذلك أكثر من طاقته وعرّض نفسه لذل الدين أو أكل أموال الناس بالباطل فهو من المسرفين واللّه يقول
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ »
والخلاصة - إن هدى القرآن في الطيبات هو ما تقتضيه الفطرة السليمة المعتدلة من التمتع بها مع الاعتدال والتزام الحلال . والاعتدال هو الصراط المستقيم الذي يقل سالكه ، فكثير من الناس يحيدون عنه ويميلون في التمتع إلى جانب الإفراط والإسراف ، ويكونون كالأنعام بل أضل لأنهم يجنون على أنفسهم حتى قال بعض الحكماء إن أكثر الناس يحفرون قبورهم بأسنانهم .
وقليلون منهم ينحرفون إلى جانب التفريط والتقتير إما اضطرارا لبؤسهم وعدمهم وإما اختيارا كالزهاد والمتقشفين .
وسبيل الاعتدال سبيل شاقة على النفوس ، عسرة على سالكها ، كلها تدل على فضيلة العقل ورجحانه .
والمعروف من سيرة الرسول أنه كان يأكل ما وجده ؛ فتارة يأكل أطيب الطعام كلحوم الأنعام والطير والدجاج ، وتارة يأكل أخشنه كخبز الشعير بالملح أو الزيت أو الخل ، وحينا يجوع وأخرى يشبع ، فكان في كل ذلك قدوة للموسر والمعسر .
وما كان يهمه أمر الطعام ، لكنه كان يعنى بأمر الشراب ؛
ففي حديث عائشة « كان أحبّ الشراب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخلو البارد »
قال المحدّثون :
ويدخل في ذلك الماء القراح والماء المحلى بالعسل أو نقيع التمر أو الزبيب .