تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
أي لا تهتمّ أيها الرسول بهؤلاء المنافقين الذين يسارعون في إظهار الكفر والتحيز إلى أعدائه المؤمنين عندما يرون الفرصة سانحة ، فاللّه يكفيك شرهم ، ويقيك ضرّهم ، وينصرك عليهم وعلى من شايعهم وناصرهم . والنهى عن الحزن وهو أمر طبعى وليس للإنسان اختيار فيه يراد به النهى عن لوازمه التي يفعلها الناس مختارين من تذكر المصائب وتعظيم شأنها ، وبذا يتجدد الألم ويبعد أمد السلوى . ثم بين أن أولئك المسارعين في الكفر من المنافقين ومن اليهود فقال :
( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ )
أي لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين الذين ادعوا الإيمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم .
( وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ )
الذين هادوا هم اليهود ، والمراد بالسماع سماع القبول والاعتقاد بصحة ما يقال ، والمراد بالكذب ما يقوله رؤساؤهم في النبي صلى اللّه عليه وسلم وفي أحكام دينهم التي يتلاعبون فيها بأهوائهم . أي إن هؤلاء القوم كثيرو الاستماع لكلام الرسول صلوات اللّه عليه والإخبار عنه لأجل الكذب عليه بالتحريف واستنباط الشبهات ، فهم جواسيس بين المسلمين لأعدائهم يبلغون الرؤساء أعداء الإسلام كل ما يقفون عليه ، ليكون ما يفترون عليه من الكذب متقبلا ، لأنه مبنى على وقائع معينة ، يزيدون في روايتها وينقصون ، ويحرفون منها ما يحرفون وقد جرت العادة بأن الكذب لا يجد له نفوقا بين الناس إلا ممن يشاهد ويرى ، أما البعيد فيظهر اختلاق كذبه سريعا ، ولهذا كانوا ينقلون تلك الأكاذيب لمن لم يأت النبي صلى اللّه عليه وسلم من الرؤساء وذوى الكيد ، ليسمعوا منه بآذانهم إما كبرا وتمردا وإما خوفا على أنفسهم وهذا معنى قوله : سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ، أي سماعون لأجلهم .
( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ )
أي يحرفون كلم التوراة من بعد وضعه