والعبادة هي الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب المعروفة يرجى خيرها ويخشى شرها ، وهذه السلطة لا تكون لغير اللّه ، فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه ، فمن اعتقد أن غيره يشركه فيها كان مشركا ، وإذا نهى اللّه عن إشراك غيره معه ، فلأن ينهى عن إنكار وجوده وجحد ألوهيته أولى .
والإشراك ضروب مختلفة :
منها ما ذكره سبحانه عن مشركي العرب من عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء عند اللّه يقربون المتوسل بهم إليه ويقضون الحاجات عنده ، وقد جاء ذكر هذا في آيات كثيرة كقوله :
« وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
.
ومنها ما ذكره عن النصارى من أنهم عبدوا المسيح عليه السلام ، قال تعالى :
« اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
.
وأقوى أنواعه ما سماه اللّه دعاء واستشفاعا ، وهو التوسل بغيره له وتوسيطه بينه وبين اللّه ، ولا ينفع مع هذا صلاة ولا صوم ولا أي عبادة أخرى ، وقد فشا هذا النوع بين المسلمين فتراهم يستشفعون ويقولون ( يا شيخ العرب - يا سيد يا بدوي ، يا سيدي إبراهيم الدسوقي ) إلى غير ذلك .
ويعتذر بعض الناس لمثل هؤلاء ، وغاية ما تصل إليه المعذرة أن يحولوهم من شرك جلىّ واضح إلى شرك أقل منه وضوحا ، ولكنه شرك على كل حال .
وبعد أن أمر اللّه بعبادته وحده لا شريك له أعقبه بالوصية بالوالدين فقال :
( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )
أي أحسنوا بهما ولا تقصّروا في شئ مما يطلبانه ، لأنهما السبب الظاهر في وجودكم وتربيتكم بالرحمة والإخلاص ، وقد فصّلت هذه الوصية في سورة الإسراء بقوله تعالى :
« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ