تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وعلى الإنسان أن يعلم أن له طورين : ( 1 ) طور عاجل قصير ، وهو طور الحياء الدنيا . ( 2 ) طور آجل أبدىّ ، وهو طور الحياة الآخرة . وسعادته في كل من الطورين مرتبطة بإرادته وما توجهه إليه من العمل ، فالناس إنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد : فقوم يحاربون حبا في الربح والكسب ، أو ضراوة بالفتك والقتل ، فإذا غلبوا أفسدوا في الأرض وأهلكوا الحرث والنسل ، وقوم يحاربون دفاعا عن الحق وإقامة لقوانين العدل ، فإذا غلبوا عمروا الأرض وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، فهل يستوى الفريقان ، وهما في المقصد مفترقان ؟ كذلك يطلب الرجل الربح والكسب أحيانا بكل وسيلة مستطاعة طلبا للذاته ، والحصول على شهواته ، فيغلو في الطمع ، ويمعن في الحيل ، ولا يبالي أمن الحرام أكل أم من الحلال ؟ يأكل الربا أضعافا مضاعفة ، فيجمع القناطير المقنطرة ، وهو مع ذلك يمنع الماعون ، ولا يحضّ على طعام المسكين ، ولو سئل البذل في المصالح العامة كان أشد الناس بخلا وأقبضهم كفا ، بينا يطلب آخر الكسب طلبا للتجمل وحبا للكرامة في قومه وعشيرته ، فيقتصد في الطلب ، ويتحرى الربح الحلال ، ويلتزم الصدق والأمانة ، ويبتعد عن الفسوق والخيانة ، وهو مع هذا ينفق مما أفاء اللّه به عليه ، فيواسى البائسين ، ويساعد المعوزين ، وتكون له اليد الطّولى في الأعمال النافعة لأمته ، فيشيد لها المدارس والمعابد ، والملاجئ والمستشفيات ، فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية ، وهل هما في القرب عند اللّه بمنزلة واحدة ، أو يفضل أحدهما الآخر بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير وحب المصلحة العامة . وقصارى القول - إن أقدار الرجال تتفاوت وتختلف باختلاف إرادتهم ، فبينما تتسع دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته وسعة مقصده ، فتحيط بالكرة الأرضية ، بل فوق ذلك بما يكون له من الكرامة في العالم العلوي - إذا