تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وقد كان فيمن خوطبوا بهذه الآية جماعة ممن كانوا في المرتبة العليا من صدق الجهاد والصبر على المكاره ، وأولئك هم المجاهدون الذين ثبتوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ثبات الجبال الراسيات ، وهم نحو ثلاثين رجلا ، لكنه جعل الخطاب عاما ليكون الإرشاد والنصح عاما للجميع ، فيتهم ذو المراتب العالية أنفسهم بالتقصير ، فيزدادوا كمالا على كمالهم ، ويرعوى المقصرون وينزعوا عن خداع أنفسهم لهم ، وهذا من التمحيص العظيم الذي له أجمل العواقب في تهذيب الأنفس ، وقد ظهر أثر ذلك في نفوس أولئك القوم فيما بعد ، وربّاهم تربية كانت بها عزائمهم ماضية ، وهممهم صادقة ، فلم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا فيما حاولوه من جسيم الأمور .
( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ؟ )
أي إن محمدا ليس إلا بشرا قد مضت الرسل قبله فماتوا وقتل بعضهم كزكريا ويحيي ؛ ولم يكتب لأحد منهم الخلد . أفإن مات كما مات موسى وعيسى وغيرهما من النبيين ، أو قتل كما قتل زكريا ويحيى ، تقلبوا على أعقابكم راجعين عما كنتم عليه ؟ والرسول ليس مقصودا لذاته ، بل المقصود ما أرسل به من الهداية التي يجب على الناس أن يتبعوها . قال أنس بن النضر في الساعة التي زاغت فيها الأبصار والبصائر ، وبلغت القلوب فيها الحناجر ، وحين فشا في الناس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قتل ، وقال بعض ضعفاء المؤمنين : ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن أبىّ فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ، وقال ناس من أهل النفاق : إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول ( إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه ) ثم قال [ اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي اللّه عنه ] وأما المؤمنون الصادقون الموقنون ، فمنهم من ثبت معه ، ومنهم من كان بعيدا
تفسير المراغي — صفحة 87 | أحمد مصطفى المراغي