تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر ( وذنب الجماعة أو لأمة لا يكون عقابه قاصرا على من اقترفه بل يكون عاما ) وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم .
( إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا )
أي واللّه سميع عليم حين همت بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ؛ وكانا جناحي عسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - أن تضعفا وتجبنا عن القتال حين رأوا انخزال عبد اللّه بن أبىّ ومن معه عن رسول اللّه . وهذا الهمّ لم يكن عزيمة ممضاة ، ولكنها كانت حديث نفس ؛ وقلما تخلوا النفس عند الشدة من بعض الهلع ؛ فإن ساعدها صاحبها ذمّ ؛ وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل ؛ ومما يدل على أن ذلك الهمّ لم يصل إلى حد العصيان قوله تعالى :
( وَاللَّهُ وَلِيُّهُما )
أي متولى أمورهما لصدق إيمانهما ؛ لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما ؛ فلم يجيبا داعى الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع المنافقين ؛ وكانوا نحو ثلث العسكر ؛ بل تذكروا ولاية اللّه للمؤمنين ؛ فوثقا به وتوكلا عليه .
( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
أي إن المؤمنين ينبغي أن يدفعوا ما يعرض لهم من جزع أو مكروه بالتوكل على اللّه ؛ لا بحولهم وقوتهم ؛ ولا بأنصارهم وأعوانهم ، بعد أخذ الأهبة والعدّة تحقيقا لسنن اللّه في خلقه ؛ إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات ؛ وهو الخالق للسبب والمسبب ؛ والموجد للصلة بينها . فبقدرته تعالى ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة كما نصر المؤمنين يوم بدر على قلة منهم في العدد والعدد والسلاح ؛ وفي سائر عتاد الجيش ولذا قال .
( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ )
أي إنكم إن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وينصركم ربكم كما نصركم على أعدائكم وأنتم يومئذ في قلة من العدد وفي غير منعة من الناس ؛ حتى أظهركم على عدوكم مع كثرة عددهم وعظيم منعتهم ؛ فأنتم اليوم أكثر عددا منكم حينئذ ؛ فإن تصبروا لأمر اللّه ينصركم كما نصركم في ذلك اليوم .