تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
منهم . وإنما تأتيهم العزة من غيرهم بهذين العهدين : العهد الذي قرره اللّه ، والعهد الذي تواطأ عليه الناس .
( وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ )
أي وصاروا مستحقين غضب اللّه مستوجبين سخطه ، وأحاطت بهم المسكنة والصّغار ، فهم تابعون لغيرهم يؤدون ما يضرب عليهم من المال وادعين ساكنين . وهذا الوصف صادق على اليهود إلى اليوم في كل بقاع الأرض . وقد ارتفع الذل عنهم في بلاد الإسلام بحبل من اللّه ، وهو ما ذكرناه فيما سلف من وجوب معاملتهم بالمساواة واحترام دمائهم وأعراضهم وأموالهم والتزام حمايتهم والذّود عنهم بعد إنقاذهم من ظلم حكامهم السابقين ، وبحبل من الناس كما تقدم بيانه . وأما ارتفاع المسكنة بأن يكون لهم ملك وسلطان يوما ما ، فالقرآن ينفيه عنهم ، لأنه لم يستثن من ذلك شيئا ، كما استثنى في الذلة ، فاقتضى بقاء ذلك عليهم إلى الأبد لكنهم يقولون إنهم مبشرون بظهور مسيح ( مسيا ) فيهم ؛ ومعناه ذو الملك والشريعة ، والنصارى يقولون : إن هذا الموعود به هو المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، والمراد بالملك الملك الروحاني . والخلاصة : إنهم متفرقون في أقطار الأرض على قلتم ، منصرفون عن فنون الحرب وأعمالها ، بعيدون عن الزراعة ومتعلقاتها ، لعنايتهم بجمع المال من أيسر سبله ، وأكثرها نماء ، وأقلها تعبا وعناء ، وهو الربا . وقد ذكر اللّه سبب ذلك وعلته فقال :
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ )
أي ذلك الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، واستحقاقهم للغضب الإلهى بسبب كفرهم ، وقتلهم النبيين بغير حق تعطيهم إياه شريعتهم . وفي النص على أن ذلك بغير حق مع أنه لن يكون إلا كذلك تشنيع عليهم ،