تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وهذا الوعيد في الآية يقابل الوعد في الآية قبلها وهو قوله
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
فالفلاح فيها يشمل الفوز بخيرى الدنيا والآخرة . ثم ذكر زمان ذلك العذاب فقال :
( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ )
أي واذكروا يوم تبيض وجوه وتسر لما تعلم من حسن العاقبة ، وتسودّ وجوه لما ترى من سوء العاقبة ، وما يحل بها من النكال والوبال . ونحو الآية قوله :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ »
وقوله :
« وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً »
وقوله :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
وفي الحديث « إن أمتي يحشرون غرّا محجلين من آثار الوضوء » . واستعمال البياض في السرور ، والسواد في الحزن عرف شائع لدى كل ناطق بالضاد ، ولا سيما وصف الكاذب بسواد الوجه كما قال شاعرهم :
فتعجبوا لسواد وجه الكاذب
والخلاصة - إن هؤلاء المختلفين المتفرقين لهم عذاب عظيم في هذا اليوم كما تظاهرت على ذلك الآيات والأحاديث ، كما يكون لهم مثل ذلك في الدنيا ، إذ هم لاختلاف مقاصدهم لا يتناصرون ولا يتعاونون ، ولا يأبهون بالأعمال التي فيها شرف الملة ، وعز الأمة ، فتسودّ وجوههم بالذل والكآبة حين يجنون ثمار أعمالهم ، وعواقب تفرقهم واختلافهم ، بقهر الغاصب لهم ، وانتزاعه السلطة من أيديهم ، والتاريخ والمشاهدة شاهدا صدق على هذا . أما المتفقون الذين اعتصموا واتفقوا على الأعمال النافعة لخير الأمة وعزها ، وأصبح كل واحد منهم عونا للآخر ، وناصرا له ، فأولئك تبيض وجوههم وتتلألأ بهجة وسرورا حين تظهر لهم آثار اتفاقهم واعتصامهم ، بوجود السلطان والعزة والشرف ، وارتفاع المكانة بين الأمم . ثم فصل سبحانه أحوال الفريقين فقال :