تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
في أكل أموال اليتامى ، فمن كان من الأولياء غنيا فليعف عن الأكل من أموالهم ، ومن كان فقيرا فليأكل بما يبيحه الشرع ، ويستجيزه أرباب المروءة .

الإيضاح

( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً )
هذا خطاب لمجموع الأمة ، والنهى شامل لكل مال يعطى لأىّ سفيه ، أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ ، وكل امرأة صداقها إلا إذا كان أحدهما سفيها لا يحسن التصرف في ماله فامنعوه منه لئلا يضيعه ، واحفظوه له حتى يرشد . وإنما قال أموالكم ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء والمال مال السفهاء الذين في ولايتهم ، لينبهنا إلى أنه إذا ضاع هذا المال وجب على الولي أن ينفق عليه من مال نفسه ، فإضاعته مفضية إلى إضاعة شئ من مال الولي فكأن ماله عين ماله ، وإلى أن الأمة متكافلة في المصالح ، فمصلحة كل فرد فيها كأنها مصلحة للآخرين . ومعنى جعل الأموال قياما للناس ، أن بها تقوم وتثبت منافعهم ومرافقهم ، فمنافعهم الخاصة ، ومصالحهم العامة لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالهم في أيدي الراشدين المقتصدين منهم الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها ، ولا يتجاوزون حدود المصلحة في الإنفاق ، وفي هذا حث عظيم على الاقتصاد بذكر فوائده ، وتنفير من الإسراف والتبذير ببيان مغبته ، فإن الأموال إذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين فات ما كان من تلك المنافع قائما ، ومن ثم وصف اللّه المؤمنين بقوله :
« وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً »
. وقد ورد في السنة النبوية حثّ كثير على الاقتصاد ، من ذلك ما رواه أحمد عن ابن مسعود : « ما عال من اقتصد » . وما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر : « الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ، والتودد إلى الناس نصف العقل ، وحسن العقل نصف العلم » وإن من أشد العجب أن يكون حال المسلمين اليوم ما نرى من الإسراف والتبذير ، وكتابهم يهديهم إلى ما للاقتصاد من فوائد ، وما للتبذير من مضار ، إلى ما للمال في هذا الزمن من المنزلة التي لا يقدر قدرها حتى صارت جميع المرافق موقوفة