تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
ذاك أنه إذا اضطرب حبل الأمن في الأمة ، أو انتشر المرض في أبنائها ، أو كثر الجهل في أفرادها ، ولا سبيل لدرء هذا إلا ببذل المال - وجب على الأغنياء أن يبذلوه لدفع هذه المفاسد ، وإزالة هذه الطوارئ لحفظ المصالح العامة . وفي قوله
« مِمَّا رَزَقْناكُمْ »
حث على الإنفاق وإشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه . وقوله
« مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ . . . »
إلى آخره أي من قبل أن يأتي يوم الحساب الذي لا يفدى فيه مقصّر بمال ، ولا تنفع فيه الصداقة ، ولا تجدى الشفاعة . وخلاصة ذلك - إن الإنفاق في سبيل البر هو الذي ينجيكم في ذلك اليوم الذي لا ينجّى فيه الأشحة الباخلين من عذاب اللّه فداء يفتدون به أنفسهم ، ولا خلة يحمل فيها الخليل شيئا من أوزار خليله ، أو يهبه شيئا من حسناته ، ولا شفاعة يؤثر بها الشفيع فيما أراده اللّه ، فيحولها عن مجازاة الكافر بالنعمة الباخل بالصدقة ، المستحق للمقت والعقوبة بما دنّس به نفسه في الدنيا ودسّاها به من المعاصي والآثام ، ويجعله يترك عقوبته مرضاة له . ونحو الآية قوله تعالى :
« وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ »
. وفي الآية إيماء إلى أن أمور الآخرة لا تقاس على ما هو حاصل في الدنيا ، فلا يظن امرؤ أنه ينجو فيها بفداء يفتدى به أو شفاعة تناله من النبيين والربانيين كما كانت في الدنيا تناله من الأمراء والسلاطين ، وإن كان في هذه الحياة فاسقا ظالما فاسد الأخلاق منّاعا للخير معتديا أثيما .
( وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
أي والتاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم ، إذ وضعوا المال في غير موضعه ، وصرفوه في غير وجهه ، وقد سماهم اللّه كافرين تغليظا وتهديدا كما قال في آخر آية الحج
« وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
مكان
تفسير المراغي — صفحة 9 | أحمد مصطفى المراغي