تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
بالمزيد من الاستدانة ، ولا يزال يزداد ثقل الدين على كواهلهم حتى يستغرق أموالهم ، فإذا حل الأجل لم يستطيعوا الوفاء وطلبوا التأجيل ، ولا يزالون يمطلون ويؤجلون والدين يزيد يوما بعد يوم حتى يستولى الدائنون قسرا على كل ما يملكون ، فيصبحون فقراء معدمين ، صدق اللّه
( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ )
. وهاكم نبذة من مقال للدكتور محمد عبد اللّه دراز عضو جماعة كبار العلماء ألقاه في مؤتمر القانون الإسلامي في شهر يوليو سنة 1951 وقد جاء فيها : أن سنة القرآن في معالجته للأمراض التي تأصلت في الشعوب وتوارثتها الأجيال ، خلفا عن سلف ألا يأخذها بالعنف والمفاجأة ، بل يتلطف في السير بها إلى الصلاح على مراحل حتى يصل إلى الغاية المرجوة . فكلنا يعرف ما كان منه في شأن الخمر وأنه لم يبطله بجرة قلم ، بل لم يحرّمه تحريما كليا إلا في المرحلة الرابعة من الوحي ، أما المرحلة الأولى التي نزلت في مكة فإنها رسمت الوجهة التي سيسير فيها التشريع ، وأما المراحل الثلاث التي نزلت بالمدينة فكانت أشبه بسلم أولى درجاته بيان مجرد لآثار الخمر ، وأن إثمه أكبر من نفعه ، والدرجة الثانية تحريم جزئي له ، والثالثة تحريمه التحريم الكلى القاطع . فهل يطيب لكم أن تدرسوا معي المنهج التدريجي الذي سلكه القرآن في مسألة الربا ؟ إنه لمن جليل الفائدة أن نتابع هذا السير لنرى انطباقه التامّ على مسلكه في شأن الخمر ، لا في عدد مراحله فحسب ، بل حتى في أماكن نزول الوحي وفي الطابع الذي تتسم به كل مرحلة منها . نعم ، فقد تناول القرآن حديث الربا في أربعة مواضع أيضا ، وكان أول موضع منها وحيا مكيّا والثلاثة الباقية مدنية ، وكان كل واحد من هذه التشريعات الأربعة متشابها تمام المشابهة لمقابله في حديث الخمر .
تفسير المراغي — صفحة 59 | أحمد مصطفى المراغي