فالأمة الإسلامية ما ارتفعت إلا بالدين ، وما سقطت بعد ما ارتفعت إلا بترك الدين مع الجهل بالسبب الذي أفضى بها إلى ذلك ، إلى أن صارت تجعل علة الرقى سببا في الانحطاط ، فلو اتبعت حكوماتنا وأفرادنا أوامر الدين وتركت التعامل بالربا مع الأجانب لما ضاعت ثروتنا ، ولا ذهب ملكنا ، وكان الدين وحده هو العاصم لنا .
فالربا مسألة اجتماعية كبيرة اتفقت في حكمها الأديان الثلاثة : اليهودية والنصرانية والإسلام ، لكن اختلف فيها أهل الأديان . فاليهود كانوا يرابون غيرهم ، والنصارى يرابى بعضهم بعضا ويرابون سائر الناس ، والمسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة ردحا طويلا من الدهر ، ثم قلدوا غيرهم فيها ، ثم انتشرت بينهم في العصر الحديث في أكثر الأقطار ، والسر في هذا أنهم قلدوا حكامهم في هذه السبيل ، بل كثيرا ما ألزم الحكام الرعية بالتعامل بالربا أداء للضرائب التي يفرضونها عليهم .
فالأديان لم تستطع أن تقاوم ميل الجماهير إلى أكل الربا حتى صار كأنه ضرورة يضطرون إليها .
ويمكن أن نلخص الأسباب التي لأجلها حرّم الدين الربا فيما يلي :
( 1 ) إنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب الصحيحة كأنواع الحرف والصناعات ، لأن رب المال إذا تمكن بعقد الربا من إنماء ماله خف عليه الكسب وسهلت لديه أسباب العيش ، فيألف الكسل ، ويمقت العمل ، ويتجه همه إلى أخذ أموال الناس بالباطل ، وتزداد شراهته في الاستيلاء على كل ما يستطيع أن يبتزه من أموالهم ، فلا يرأف بفقير ، ولا يشفق على بائس ، ولا يرحم مسكينا ، وقد جرت عادة المرابين بأن يزداد طمعهم حين الأزمات كقحط في البلاد ، أو حروب تشتد فيها الحاجة إلى الأقوات ، فيضطر الفقراء إلى الاستدانة من هؤلاء الطغاة الذين يستنزفون دماءهم .
ويستأثرون بالبقية الباقية من أموالهم .
( 2 ) إنه يؤدى إلى العداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات ، إذ هو ينزع
تفسير المراغي — صفحة 57
مساهمون: أحمد مصطفى المراغي
ص٥٧