تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
لم تحوّل وجهه عن اللّه تعالى إلى الباطل والفساد ، ولم تدسّ روحه حتى تسترسل في الخطايا ، فهو واصل إليه على ما وعد به في كتابه وما تفضل به على عباده .
( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )
أي إن علمه تعالى محيط بما يعملون مما عبر عنه بقوله :
« يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ »
وبما لا يعلمون من شؤون سائر الكائنات ، ويرى جمع من المفسرين منهم القفال والزمخشري أن الكلام تصوير لعظمته وتمثيل لكبريائه ، ولا كرسىّ ولا قيام ولا قعود ، وقد خاطب سبحانه عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم . والخلاصة - إن الكرسي شئ يضبط السماوات والأرض ، نسلم به بدون بحث في تعينه ، ولا كشف عن حقيقته ، ولا كلام فيه بالرأي دون نص عن المعصوم .
( وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما )
أي ولا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها ، ولا يشق عليه ذلك ، وإنما لم يذكر ما فيهما ، لأن حفظهما مستتبع لحفظه .
( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )
أي وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه ، العظيم على كل شئ سواه ، فهو المنزّه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم ، أو يستنزله عما يريد من مجازاتهم على أعمالهم . والخلاصة - إن هذه الآية تملأ القلب مهابة من اللّه وجلاله وكماله ، حتى لا تدع موضعا للغرور بالشفعاء الذين يعظمهم المغرورون ويتكلون على شفاعتهم ، فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين ، فخويت القلوب من ذكر اللّه ، وخلت من خشيته جهلا منها بما يجب من معرفته ، وأفسدت فطرتهم الأهواء والجهالات ، فلا يجدون ما يلهون به إلا كلمة
( الشَّفاعَةَ ) *
ومن اغترّ بها فشيطانه هو الذي يوسوس له ، ويمده في الغى . فهذه النفوس لم تعرف عظمة اللّه ، ولم تستشعر بالحياء منه ، ولم تحترم دينها وشريعتها ، إذ آية ذلك بذل المال والروح في إعلاء كلمته ، لا تعظيمه بالقول دون أن بصدق ذلك العمل .
تفسير المراغي — صفحة 14 | أحمد مصطفى المراغي