تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
فقيامه تعالى بالقسط في كل هذا برهان على صدق شهادته تعالى ، فإن وحدة النظام في هذا العالم تدل على وحدة واضعه . ثم أكد كونه منفردا بالألوهية وقائما بالعدل بقوله :
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
فإن العزة إشارة إلى كمال القدرة ، والحكمة إيماء إلى كمال العلم ، والقدرة لا تتم إلا بالتفرد والاستقلال ، والعدالة لا تكمل إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ، ومن كان كذلك فلا يغلبه أحد على ما قام به من سنن القسط ، ولا يخرج من الخليقة شئ عن حكمته البالغة . ثم ذكر الدستور العام الذي عليه المعوّل في كل دين فقال :
( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ )
أي إن جميع الملل والشرائع التي جاء بها الأنبياء روحها الإسلام والانقياد والخضوع ، وإن اختلفت في بعض التكاليف وصور الأعمال ، وبه كان الأنبياء يوصون . فالمسلم الحقيقي من كان خالصا من شوائب الشرك ، مخلصا في أعماله مع الإيمان من أىّ ملة كان ، وفي أي زمان وجد ، وهذا هو المراد بقوله عز اسمه
« وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ »
. ذاك أن اللّه شرع الدين لأمرين : ( 1 ) تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بسلطة غيبية للمخلوقات بها تستطيع التصرف في الكائنات لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم من أمثالها . ( 2 ) إصلاح القلوب بحسن العمل وإخلاص النية للّه وللناس . وأما العبادات فإنما شرعت لتربية هذا الروح الخلقي ليسهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الدينية . أخرج ابن جرير عن قتادة قال : الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه والإقرار بما جاء من عند اللّه ، وهو دين اللّه تعالى الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ، ودلّ عليه أولياءه لا يقبل غيره ، ولا يجزى إلا به .