( 1 ) رأى بعض السلف وهو الوقوف على لفظ الجلالة ، وجعل قوله : والراسخون في العلم كلام مستأنف ، وعلى هذا فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا اللّه ، واستدلوا على ذلك بأمور منها :
( ا ) أن اللّه ذم الذين يتبعون تأويله .
( ب ) أن قوله
( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا )
ظاهر في التسليم المحض للّه تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض .
وهذا رأى كثير من الصحابة رضوان اللّه عليهم كأبىّ بن كعب وعائشة .
( 2 ) ويرى بعض آخرون الوقف على لفظ ( العلم ) ويجعل قوله :
( يَقُولُونَ آمَنَّا )
كلام مستأنف ، وعلى هذا فالمتشابه يعلمه الراسخون - وإلى ذلك ذهب ابن عباس وجمهرة من الصحابة ، وكان ابن عباس يقول : أنا من الراسخين في العلم ، أنا أعلم تأويله .
وردّوا على أدلة الأولين بأن اللّه تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة ، والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه ، فاللّه يفيض عليهم فهم المتشابه بما ينفق مع فهم المحكم ، وبأن قولهم
( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا )
لا ينافي العلم ، فإنهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ، بل يؤمنون بهذا وذاك لأن كلا منهما من عند اللّه وليس في هذا من عجب ، فإن الجاهل في اضطراب دائم ، والراسخ في العلم ثابت العقيدة لا تشتبه عليه المسالك .
ووجود المتشابه الذي يستأثر اللّه بعلمه من أحوال الآخرة - ضروري لأن من مقاصد الدين الإخبار بأحوالها ، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك ، وهو من عالم الغيب نؤمن به كما نؤمن بالملائكة والجن ، ولا يعلم تأويل ذلك : أي حقيقة ما تئول إليه هذه الألفاظ إلا اللّه . والراسخون في العلم وغيرهم في مثل هذا سواء ، لأن الراسخين يعرفون ما يقع تحت حكم الحس والعقل ، ولا يستشرفون بأنظارهم إلى معرفة حقيقة