تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وبعد أن ذكر إباحة الطيبات ، بين ما حرم من الأطعمة فقال :
( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ )
أي إنه تعالى حرم الميتة لما يتوقع من ضررها ، لأنها إما أن تكون قد ماتت بمرض سابق أو بعلة عارضة ، وكلاهما لا يؤمن ضرره ، ولأن الطباع تستقذرها . ( والدم ) أي الدم المسفوح ، لأنه قذر وضارّ كالميتة .
( وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ )
لأنه ضار ولا سيما في البلاد الحارة كما دلت على ذلك التجربة .
( وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ )
أي وحرم ما رفع به الصوت عند ذبحه لصم وغيره مما يعبد من دون اللّه ، لأنه من أعمال الوثنية ، وفيه إشراك واعتماد على غير اللّه ، وقد نص الفقهاء على أن كل ما ذكر عليه اسم غير اللّه ولو مع اسم اللّه فهو محرم ، ومثل ذلك ما يفعله العامة في القرى إذ يقولون عند الذبح : باسم اللّه اللّه أكبر ، يا سيد يا بدوي ، يريدون بذلك أن يتقبل منهم النذر ويقضى حاجة صاحبه .
( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ )
أي فمن ألجئ إلى أكل شئ مما حرم اللّه ، بأن لم يجد غيره وخاف على نفسه الهلاك إن لم يأكل منه ، ولم يكن راغبا فيه لذاته ، ولم يتجاوز قدر الحاجة فلا إثم عليه ، لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعا أشد ضررا من أكل الميتة أو الدم ، بل الضرر في ترك الأكل محقق وهو في فعله مظنون ؛ كما أن من أكل مما أهلّ به لغير اللّه مضطرا ، لم يقصد إجازة عمل الوثنية . ولا استحسانه . وإنما ذكر قوله : غير باغ ولا عاد ، لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا وكل إليهم تحديده ، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر ، ويذهب ذلك بشهواته إلى ما وراء حد الضرورة .
( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
أي إن اللّه يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة ، إذ وكل ذلك إلى اجتهادهم ، رحيم بهم ، إذ رخص لهم في تناولها ولم يوقعهم في الحرج والعسر ، وجعل الضرورة تقدر بقدرها .