تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب - قد ضلوا ضلالا بعيدا واتبعوا أمر الشيطان ، ومثلهم من اتخذ رأى الرؤساء حجة في الدين من غير أن يكون بيانا أو تبليغا لما جاء عن اللّه ، فهؤلاء قد أعرضوا عن سنن اللّه وأهملوا نعمة العقل ، واتخذوا من دون اللّه الأنداد « ومن يضلل اللّه فلا هادي له » .
( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ )
أي ويأمركم أن تقولوا على اللّه في دينه ما لا تعلمون علم اليقين أنه شرعه لكم من عقائد وشعائر دينية ، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم ، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة ، ففي كل ذلك اعتداء على حق الربوبية بالتشريع ، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان ، فإنه الأصل في إفساد العقائد ، وتحريف الشرائع . ومن هذا زعم الرؤساء أن للّه وسطاء بينه وبين خلقه ، لا يفعل شيئا إلا بوساطتهم ، فحولوا قلوب عباده عنه وعن سننه في خلقه ، ووجهوها إلى قبور لا تعد ولا تحصى ، وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، ويسمون مثل هذا توسلا : أي تقربا إلى اللّه ، وحاشى أن يتقبّل التقرب إليه بالشرك به ، ودعاء غيره معه وهو يقول
« فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً »
. ثم سجل عليهم كمال ضلالهم وعدّد جناياتهم فقال :
( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا )
أي وإذا قيل لمن اتبع خطوات الشيطان من المشركين : اتبعوا ما أنزل اللّه على رسوله من الوحي ولا تتبعوا من دونه أولياء - جنحوا إلى التقليد ، وقالوا نحن لا نعرف إلا ما وجدنا عليه السادة والكبراء والشيوخ من آبائنا ، استئناسا بما ألفوه مما ألفه آباؤهم من قبل . ثم رد عليهم سبحانه مقالتهم الحمقاء وأظهر بطلان آرائهم فقال :
( أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ )
أي أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كل حال وفي كل شئ ، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من عقائد الدين وعباداته : أي حتى لو تجردوا من دليل عقلي أو نقلي في عقائدهم وعباداتهم .