تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
( وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ )
كان جالوت جبار الفلسطينيين طلب البراز فلم يجرؤ أحد من بني إسرائيل على مبارزته ، حتى جعل طالوت مكافأة لمن يقتله أن يزوجه ابنته ويحكّمه في ملكه ، فبرز له داود وكان صغير السن ولم يلبس درعا ولم يحمل سلاحا ، بل حمل حجارته ومقلاعه الذي كان من عادته أن يقاتل به الذئب والأسد ، فسخر منه جالوت وقال : ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة ، لأبدّدن لحمك ، ولأطعمنّه اليوم للطير والسباع ، فرماه داود بمقلاعه ، فأصاب الحجر رأسه فصرعه ، ودنا منه فاحتزّ رأسه ، وجاء به فألقاه بين يدي طالوت ، وانهزم من كان معه ، وشهر داود بين الناس ، وكان له من الصيت والسمعة ما ورث به ملك بني إسرائيل ، وآتاه اللّه النبوّة وأنزل عليه الزبور وعلّمه صنعة الدروع ، ومعرفة منطق الطير ، وعلوم الدين وفصل الخصومات كما قال تعالى :
« وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ »
ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله ؛ إذ كان من أحوالهم أن يبعث اللّه إليهم نبيا ويملّك عليهم ملكا يأتمر بأمر ذلك النبي ، وكان نبىّ هذا العصر شمويل والملك طالوت ، فلما توفّيا صار له الملك والنبوة . ثم بين سبحانه الحكمة في الأمر بالقتال الذي استفيد من الآيات السالفة فقال :
( وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ )
أي ولولا دفع اللّه أهل البغي والجور والشرور والآثام بأهل الإصلاح والخير ، لغلب أهل الفساد وبغوا على الصالحين ، وأوقعوا بهم وصار لهم السلطان في الأرض . فكان من رحمة اللّه لعباده وفضله عليهم ، أن أذن للمصلحين بقتال البغاة المفسدين وهو سبحانه جعل أهل الحق حربا لأهل الباطل ، وهو ناصرهم ما نصروه وأصلحوا في الأرض . وقد نسب عز اسمه الدفع إلى نفسه ، لأنه سنة من سننه في المجتمع البشرى ، وعليه بنى نظام هذا العالم حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها