تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
( وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ )
يقبض أي يقتر ويضيق ، ويبسط أي يوسع أي واللّه يقتر على بعض الناس لجهلهم بسنن اللّه في كسب المال ، وعدم نهوضهم للسعى في مناكب الأرض بحسب الأوضاع التي شرعها اللّه لعباده في هذه الحياة ، ويبسط الرزق لآخرين ، لأنهم ساروا على النواميس التي تقتضيها طبيعة الحياة ، واتخذوا الأسباب التي توصل من سلكها إلى نتائجها المحتومة كما أرشدت إلى ذلك الفطرة وسنة الوجود . ولو شاء أن يغنى فقيرا ، أو يفقر غنيا لفعل ، فإن الأمر كله له ، وبيده القبض والبسط ، فحضّ الأغنياء على مؤازرة الفقراء لم يكن من حاجة له ، أو عجز منه ، بل هداية منه لعباده ، ليشكروه على تلك النعم فيزيدهم منها كما قال :
« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »
وبذلك يبلغ النوع الإنسانى كماله الاجتماعي الذي أعده له بحكمته حتى يحقق معنى الخلافة في الأرض ويعمرها على أحسن الوجوه ، وأفضل الحالات . ثم بين مصير الخلق ومجازاتهم على أعمالهم من خير أو شر ، وفيه وعد ووعيد فقال :
( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
والرجوع إلى اللّه ضربان : ( 1 ) رجوع في هذه الحياة بالسير على سننه الحكيمة ، ونظمه في الخليقة ، بأن يعرف المرء أن الغنى يكون بعمل العامل وتوفيق اللّه وتسخيره ، وأن البذل من فضل اللّه يأتي بالمنافع الخاصة للباذل ، وبالمنافع العامة لقومه الذين يعتز بهم ويسعد بسعادتهم ، وأن تركه يعقبه مفاسد ومضار عامة وخاصة للأمم والأفراد ، وأنه لا يستقل بعمله مهما أوتي من رجاحة عقل ، بل له حاجة إلى معونة اللّه وتوفيقه بتسخير الأسباب له . ( 2 ) رجوع في الآخرة حين تظهر للمرء نتائج أعماله وآثار أفعاله
« يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »
.