( وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )
أي إن اللّه لا يترك أمركم سدى ، بل يعذبكم أشدّ العذاب ، وهو محيط بما تأتون وما تذرون .
ولا يخفى ما في هذا من الوعيد والتهديد عقب التقريع والتوبيخ .
( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ )
أي إن جماعة الأنبياء قد مضت بالموت ، ولها ما كسبت من الأعمال ، ولكم ما كسبتم منها ، ولا يسأل أحد عن عمل غيره ، بل يسأل عن عمل نفسه ويجازى به ، فلا يضره ولا ينفعه سواه ، وهذه قاعدة أقرتها الأديان جميعا وأيّدها العقل كما قال :
( أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى )
.
لكن غلبة الجهل جعلت الناس يعتمدون في طلب سعادة الآخرة ، وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين ، وساعدهم على ذلك رؤساء الأديان فأوّلوا لهم نصوص الدين اتباعا للهوى ، ومن ثمّ جاء القرآن يقرّر ارتباط السعادة بالكسب والعمل ، وينفى الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يقتد بهم في صالح أعمالهم ، وقد حاجّ بذلك أهل الكتاب الذين يفتخرون بأسلافهم ويعتمدون على شفاعتهم وجاههم ليقطع أطماعهم في تلك الشفاعة .
وعلينا معشر المسلمين أن نجعل نصب أعيننا ورائدنا في أعمالنا تلك القاعدة - الجزاء على العمل - ولا نغتر بشفاعة سلفنا الصالح ، ونجعلها وسيلة لنا في النجاة إذا نحن قصّرنا في عملنا ، فكل من السلف والخلف مجزىّ بعمله ، ولا ينفع أحدا عمل غيره .
وفّقنا اللّه تعالى لما يحبه ويرضاه :
( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ )
.
وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين تمّ تصنيف هذا الجزء في الثامن والعشرين من صفر سنة إحدى وستين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة سيد ولد عدنان . في مدينة حلوان من أرباض القاهرة بالديار المصرية .