تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
وخلاصة ما سبق - إن روح الدين التوحيد ، وملاك أمره الإخلاص المعبّر عنه بالإسلام ، فإذا زال هذا المقصد وحفظت الأعمال الصورية لم يغن ذلك شيئا ، وأهل الكتاب أزهقوا هذا الروح وحفظوا الرسوم والتقاليد ، فهم ليسوا على شئ من الدين ، ولكنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم جاء بما أحيا ذلك الروح الذي كان عليه جميع الأنبياء والمرسلين ، فهو الذي كمّل شريعتهم بشريعته التي تصلح لجميع البشر في كلّ زمان ومكان .
( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى )
أي أتقولون : إن اختصاصكم بالقرب من اللّه دوننا هو من اللّه وهو ربنا وربكم ، أم تقولون إن امتيازكم باليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها إنما كان بأن هؤلاء الأنبياء كانوا عليها ، فإن كان هذا ما تدّعون فأنتم كاذبون فيما تقولون ، فإن هذين الاسمين إنما حدثا فيما بعد ، فما حدث اسم اليهودية إلا بعد موسى ، وما حدث اسم النصرانية إلا بعد عيسى ، فكيف تزعمون أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ، وقضية العقل شاهدة بكذبكم ؟
( قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ؟ )
أي أأنتم أعلم بالمرضىّ عند اللّه ، أم اللّه أعلم بما يرضيه وما يتقبله ؟ لا شكّ أن اللّه هو العليم بذلك دونكم ، وقد ارتضى للناس ملة إبراهيم وأنتم تعترفون بذلك ، وكتبكم تصدّقه قبل أن تجىء اليهودية والنصرانية ، فلما ذا لا ترضون لأنفسكم هذه الملة ؟
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ )
أي لا أحد أشدّ ظلما ممن يكتم شهادة مثبتة في كتاب اللّه تبشر بأن اللّه يبعث فيهم نبيّا من بنى إخوتهم وهم العرب أبناء إسماعيل . وهم لا يزالون يكتمون ذلك ، فينكرون على غير المطّلع على التوراة ، ويحرّفون على المطلع عليها . وخلاصة ما سلف - أنه أقام ثلاث حجج تدحض ما ادّعوا : ( 1 ) قوله :
( وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ )
. ( 2 ) قوله :
( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ )
إلخ . ( 3 ) قوله :
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً )
إلخ .