تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
موسى إلى ما لا ينافي عقائده فيصغي إليه سمعه حتى إذا سمع قوله وحجته داخله الإيمان الحق مدرّجا ، ففي هذا الأسلوب استنزال لطائره . والخشية : الخوف فإذا أطلقت في لسان الشرع يراد بها خشية اللّه تعالى ، ولهذا نزل فعلها هنا منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول لأن المخشي معلوم مثل فعل الإيمان في لسان الشرع يقال : آمن فلان ، وفلان مؤمن ، أي مؤمن باللّه ووحدانيته . [ 20 - 24 ]

[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 20 إلى 24 ]

فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى ( 20 ) فَكَذَّبَ وَعَصى ( 21 ) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ( 22 ) فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) الفاء في قوله :
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى
فصيحة وتفريع على محذوف يقتضيه قوله
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ
[ النازعات : 17 ] . والتقدير : فذهب فدعاه فكذبه فأراه الآية الكبرى ، وذلك لأن قوله :
إِنَّهُ طَغى
[ النازعات : 17 ] يؤذن بأنه سيلاقي دعوة موسى بالاحتقار والإنكار ، لأن الطغيان مظنّة ذينك ، فعرض موسى عليه إظهار آية تدل على صدق دعوته لعله يوقن كما قال تعالى :
قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[ الشعراء : 30 - 32 ] ، فتلك هي الآية الكبرى المرادة هنا . والآية : حقيقتها العلامة والأمارة ، وتطلق على الحجة المثبتة لأنها علامة على ثبوت الحق ، وتطلق على معجزة الرسول لأنها دليل على صدق الرسول وهو المراد هنا . وأعقب فعل
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى
بفعل
فَكَذَّبَ
للدلالة على شدة عناده ومكابرته حتى أنه رأى الآية فلم يتردد ولم يتمهل حتى ينظر في الدلالة ، بل بادر إلى التكذيب والعصيان . والمراد بعصيانه عصيان أمر اللّه أن يوحده أو أن يطلق بني إسرائيل من استعبادهم وتسخيرهم للخدمة في بلاده . وعطف
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى
ب
ثُمَّ
للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، فأفادت
ثُمَّ
أن مضمون الجملة المعطوفة بها أعلى رتبة في الغرض الذي تضمنته الجملة قبلها ، أي أنه ارتقى من التكذيب والعصيان إلى ما هو أشد وهو الإدبار والسعي وادعاء الإلهية لنفسه ، أي بعد أن فكّر مليا لم يقتنع بالتكذيب والعصيان فخشي أنه إن سكت ربما تروج دعوة موسى بين الناس فأراد الحيطة لدفعها وتحذير الناس منها . والإدبار والسعي مستعملان في معنييهما المجازيين فإن حقيقة الإدبار هو المشي إلى