تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
وأعيدت كلمة
مِنْ شَرِّ
بعد حرف العطف في هذه الجملة . وفي الجملتين المعطوفتين عليها مع أن حرف العطف مغن عن إعادة العامل قصدا لتأكيد الدعاء ، تعرضا للإجابة ، وهذا من الابتهال فيناسبه الإطناب . والغاسق : وصف الليل إذا اشتدت ظلمته يقال : غسق الليل يغسق ، إذا أظلم قال تعالى :
إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
[ الإسراء : 78 ] ، فالغاسق صفة لموصوف محذوف لظهوره من معنى وصفة مثل الجواري في قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ
[ الشورى : 32 ] وتنكير
غاسِقٍ
للجنس لأن المراد جنس الليل . وتنكير
غاسِقٍ
في مقام الدعاء يراد به العموم لأن مقام الدعاء يناسب التعميم . ومنه قول الحريري في المقامة الخامسة : « يا أهل ذا المعنى وقيتم ضرا » أي وقيتم كل ضر . وإضافة الشر إلى غاسق من إضافة الاسم إلى زمانه على معنى ( في ) كقوله تعالى :
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ سبأ : 33 ] . والليل : تكثر فيه حوادث السوء من اللصوص والسباع والهوام كما تقدم آنفا . وتقييد ذلك بظرف
إِذا وَقَبَ
أي إذا اشتدت ظلمته لأن ذلك وقت يتحيّنه الشطّار وأصحاب الدعارة والعيث ، لتحقّق غلبة الغفلة والنوم على الناس فيه ، يقال : أغدر الليل ، لأنه إذا اشتد ظلامه كثر الغدر فيه ، فعبر عن ذلك بأنه أغدر ، أي صار ذا غدر على طريق المجاز العقلي . ومعنى
وَقَبَ
دخل وتغلغل في الشيء ، ومنه الوقبة : اسم النقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء ، ووقبت الشمس غابت ، وخص بالتعوذ أشد أوقات الليل توقعا لحصول المكروه . [ 4 ]

[ سورة الفلق ( 113 ) : آية 4 ]

وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ( 4 ) هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله :
مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
[ الفلق : 2 ] . وعطف
شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ
على شر الليل لأن الليل وقت يتحين فيه السحرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد . والنفث : نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق فهو أقل من التفل ، يفعله السحرة