تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
الحكمة من إنزاله بهم وهو استعارة تمثيلية ، شبهت هيئة إمهالهم وتركهم مع تقدير إنزال العقاب بهم بهيئة الكائد يخفي إنزال ضره ويظهر أنه لا يريده وحسّنها محسن المشاكلة . [ 17 ]

[ سورة الطارق ( 86 ) : آية 17 ]

فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 ) الفاء لتفريع الأمر بالإمهال على مجموع الكلام السابق من قوله :
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ
[ الطارق : 13 ] بما فيه من تصريح وتعريض وتبيين ووعد بالنصر ، أي فلا تستعجل لهم بطلب إنزال العقاب فإنه واقع بهم لا محالة . والتمهيل : مصدر مهّل بمعنى أمهل ، وهو الإنظار إلى وقت معيّن أو غير معين ، فالجمع بين « مهّل » و
أَمْهِلْهُمْ
تكرير للتأكيد لقصد زيادة التسكين ، وخولف بين الفعلين في التعدية مرة بالتضعيف وأخرى بالهمز لتحسين التكرير . والمراد ب
الْكافِرِينَ
ما عاد عليه ضمير
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ
[ الطارق : 15 ] فهو إظهار في مقام الإضمار للنداء عليهم بمذمة الكفر ، فليس المراد جميع الكافرين بل أريد الكافرون المعهودون . و
رُوَيْداً
تصغير رود بضم الراء بعدها واو ، ولعله اسم مصدر ، وأما قياس مصدره فهو رود بفتح الراء وسكون الواو ، وهو المهل وعدم العجلة وهو مصدر مؤكد لفعل
أَمْهِلْهُمْ
فقد أكد قوله :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ
مرتين . والمعنى : انتظر ما سيحلّ بهم ولا تستعجل لهم انتظار تربص واتّياد فيكون
رُوَيْداً
كناية عن تحقق ما يحلّ بهم من العقاب لأن المطمئن لحصول شيء لا يستعجل به . وتصغيره للدلالة على التقليل ، أي مهلة غير طويلة . ويجوز أن يكون
رُوَيْداً
هنا اسم فعل للأمر ، كما في قولهم : رويدك ، لأن اقترانه بكاف الخطاب إذا أريد به اسم الفعل ليس شرطا ويكون الوقف على قوله :
الْكافِرِينَ
و
رُوَيْداً
كلاما مستقلا ، فليس وجود فعل من معناه قبله بدليل على أنه مراد به المصدر ، أي تصبر ولا تستعجل نزول العذاب بهم فيكون كناية عن الوعد بأنه واقع لا محالة .