تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ف « العالمين » يعمّ كل البشر لأنهم مدعوون للاهتداء به ومستفيدون مما جاء فيه . فإن قلت : القرآن يشتمل على أحاديث الأنبياء والأمم وهو أيضا معجزة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم فكيف قصر على كونه ذكرا . قلت : القصر الإضافي لا يقصد منه إلا تخصيص الصفة بالموصوف بالنسبة إلى صفة أخرى خاصة ، على أنك لك أن تجعل القصر حقيقيا مفيدا قصر القرآن على الذكر دون غير ذلك من الصفات ، فإن ما اشتمل عليه من القصص والأخبار مقصود به الموعظة والعبرة كما بينت ذلك في المقدمة السابعة . وأما إعجازه فله مدخل عظيم في التذكير لأن إعجازه دليل على أنه ليس بكلام من صنع البشر ، وإذا علم ذلك وقع اليقين بأنه حق . وأبدل من
لِلْعالَمِينَ
قوله :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
بدل بعض من كل ، وأعيد مع البدل حرف الجر العامل مثله في المبدل منه لتأكيد العامل كقوله تعالى :
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ
[ الأنعام : 99 ] وقوله :
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ
، وتقدم في سورة الأعراف [ 75 ] . والخطاب في قوله :
مِنْكُمْ
للذين خوطبوا بقوله :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
[ التكوير : 26 ] وإذا كان القرآن ذكرا لهم وهم من جملة العالمين كان ذكر :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
من بقية العالمين أيضا بحكم قياس المساواة ، ففي الكلام كناية عن ذلك . وفائدة هذا الإبدال التنبيه على أن الذين تذكروا بالقرآن وهم المسلمون قد شاءوا الاستقامة لأنفسهم فنصحوا أنفسهم ، وهو ثناء عليهم . وفي مفهوم الصلة تعريض بأن الذين لم يتذكروا بالقرآن ما حال بينهم وبين التذكر به إلا أنهم لم يشاءوا أن يستقيموا ، بل رضوا لأنفسهم بالاعوجاج ، أي سوء العمل والاعتقاد ، ليعلم السامعون أن دوام أولئك على الضلال ليس لقصور القرآن عن هديهم بل لأنهم أبوا أن يهتدوا به ، إما للمكابرة فقد كانوا يقولون :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] وإما للإعراض عن تلقيه :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
[ فصلت : 26 ] . والاستقامة مستعارة لصلاح العمل الباطني ، وهو الاعتقاد ، والظاهري وهو الأفعال والأقوال تشبيها للعمل بخط مستقيم تشبيه معقول بمحسوس . ثم إن الذين لم يشاءوا أن