تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
كما بلغه ، أي أن ما بلّغه هو الغيب لا ريب فيه ، وعكسه قولهم : ائتمنه على كذا . [ 25 ]

[ سورة التكوير ( 81 ) : آية 25 ]

وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) عطف على :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
[ التكوير : 19 ] ، وهذا رجوع إلى ما أقسم عليه من أن القرآن قول رسول كريم ، بعد أن استطرد بينهما بتلك المستطردات الدالة على زيادة كمال هذا القول بقدسية مصدره ومكانة حامله عند اللّه وصدق متلقيه منه عن رؤية محققة لا تخيل فيها ، فكان التخلص إلى العود لتنزيه القرآن بمناسبة ذكر الغيب في قوله تعالى :
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
[ التكوير : 24 ] . فإن القرآن من أمر الغيب الذي أوحي به إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه كثير من الأخبار عن أمور الغيب الجنة والنار ونحو ذلك . وقد علم أن الضمير عائد إلى القرآن لأنه أخبر عن الضمير بالقول الذي هو من جنس الكلام إذ قال :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
[ التكوير : 25 ] فكان المخبر عنه من قبيل الأقوال لا محالة ، فلا يتوهم أن الضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير :
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
وهذا إبطال لقول المشركين فيه أنه كاهن ، فإنهم كانوا يزعمون أن الكهان تأتيهم الشياطين بأخبار الغيب ، قال تعالى :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
[ الحاقة : 41 - 42 ] وقال :
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ
[ الشعراء : 210 ، 211 ] وقال :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[ الشعراء : 221 ، 222 ] وهم كانوا يزعمون أن الكاهن يتلقى عن شيطانه ويسمون شيطانه رئيّا . وفي حديث فترة الوحي ونزول سورة والضحى : أن حمالة الحطب امرأة أبي لهب وهي أم جميل بنت حرب قالت للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « أرى شيطانك قد قلاك » . و
رَجِيمٍ
فعيل بمعنى مفعول ، أي مرجوم ، والمرجوم : المبعد الذي يتباعد الناس من شره فإذا أقبل عليهم رجموه فهو وصف كاشف للشيطان لأنه لا يكون إلا متبرّأ منه . [ 26 ]

[ سورة التكوير ( 81 ) : آية 26 ]

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) جملة :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
معترضة بين جملة :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
[ التكوير : 25 ] وقوله :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
[ التكوير : 27 ] .