تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
[ الأنبياء : 104 ] لأن ظاهره اتصال طيّ السماء بإعادة الخلق ، وتصير الأشراط التي تحصل قبل البعث سبعة والأحداث التي تقع بعد البعث خمسة . والجحيم أصله : النار ذات الطبقات من الوقود من حطب ونحوه بعضها فوق بعض ، وصار علما بالغلبة على جهنم دار العذاب في الآخرة في اصطلاح القرآن ، وتسعيرها أو إسعارها : إيقادها ، أي هيّئت لعذاب من حقّ عليهم العذاب . وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ورويس عن يعقوب :
سُعِّرَتْ
بتشديد العين مبالغة في الإسعار . وقرأه الباقون بالتخفيف . وقوبلت بالجنة دار النعيم واسم الجنة علم بالغلبة على دار النعيم ، و
أُزْلِفَتْ
قربت ، والزلفى : القرب ، أي قربت الجنة من أهلها ، أي جعلت بقرب من محشرهم بحيث لا تعب عليهم في الوصول إليها وذلك كرامة لهم . واعلم أن تقديم المسند إليه في الجمل الثنتي عشرة المفتتحات بكلمة
إِذَا *
من قوله :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
إلى هنا ، والإخبار عنه بالمسند الفعلي مع إمكان أن يقال : إذا كورت الشمس وإذا انكدرت النجوم ، وهكذا كما قال :
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[ الرحمن : 37 ] أن ذلك التقديم لإفادة الاهتمام بتلك الأخبار المجعولة علامات ليوم البعث توسلا بالاهتمام بأشراطه إلى الاهتمام به وتحقيق وقوعه . وإن إطالة ذكر تلك الجمل تشويق للجواب الواقع بعدها بقوله :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
وجملة :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
يتنازع التعلق به كلمات
إِذَا *
المتكررة . وعن عمر بن الخطاب : « أنه قرأ أول هذه السورة فلما بلغ
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
قال : لهذا أجريت القصة » أي هو جواب القسم ومعنى
عَلِمَتْ
أنها تعلم بما أحضرت فتعلمه . وقوله
نَفْسٌ
نكرة في سياق الشرط مراد بها العموم ، أي علمت كل نفس ما أحضرت ، واستفادة العموم من النكرة في سياق الإثبات تحصل من القرينة الدالة على عدم القصد إلى واحد من الجنس ، والقرينة هنا وقوع لفظ نفس في جواب هذه الشروط التي لا يخطر بالبال أن تكون شروطا لشخص واحد ، وقد قال تعالى :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ
[ آل عمران : 30 ] .