تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
حين تتعلق مشيئته بإنشاره . و
أَنْشَرَهُ
بعثه من الأرض وأصل النشر إخراج الشيء المخبأ يقال : نشر الثوب ، إذ أزال طيّه ، ونشر الصحيفة ، إذا فتحها ليقرأها . ومنه الحديث : « فنشروا التوراة » . وأما الإنشار بالهمز فهو خاص بإخراج الميت من الأرض حيّا وهو البعث ، فيجوز أن يقال : نشر الميت ، والعرب لم يكونوا يعتقدون إحياء الأموات إلا أن يكونوا قد قالوه في تخيلاتهم التوهمية . فيكون منه قول الأعشى :
حتى يقول الناس ممّا رأوا * يا عجبا للميّت النّاشر
ولذلك قال اللّه تعالى :
وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
[ هود : 7 ] . وفي قوله :
إِذا شاءَ
ردّ لشبهتهم إذ كانوا يطلبون تعجيل البعث تحديا وتهكما ليجعلوا عدم الاستجابة بتعجيله دليلا على أنه لا يكون ، فأعلمهم اللّه أنه يقع عندما يشاء اللّه وقوعه لا في الوقت الذي يسألونه لأنه موكول إلى حكمة اللّه ، واستفادة إبطال قولهم من طريق الكناية . [ 23 ]

[ سورة عبس ( 80 ) : آية 23 ]

كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) تفسير هذه الآية معضل وكلمات المفسرين والمتأولين فيها بعضها جافّ المنال ، وبعضها جاف عن الاستعمال . ذلك أن المعروف في
كَلَّا
أنه حرف ردع وزجر عن كلام سابق أو لاحق ، وليس فيما تضمنه ما سبقها ولا فيما بعدها ما ظاهره أن يزجر عنه ولا أن يبطل ، فتعين المصير إلى تأويل مورد
كَلَّا
فأما الذين التزموا أن يكون حرف
كَلَّا
للردع والزجر وهم الخليل وسيبويه وجمهور نحاة البصرة ويجيزون الوقف عليها كما يجيزون الابتداء بها ، فقد تأولوا هذه الآية وما أشبهها بتوجيه الإنكار إلى ما يومئ إليه الكلام السابق أو اللاحق دون صريحه ولا مضمونه . فمنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما قبل
كَلَّا
ممّا يومئ إليه قوله تعالى :
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
[ عبس : 22 ] ، أي إذا شاء اللّه ، إذ يومئ إلى أن الكافر ينكر أن ينشره اللّه ويعتلّ بأنه لم ينشر أحدا منذ القدم إلى الآن . وهذا الوجه هو الجاري على قول البصريين