الإنسان أول مرة من نطفة يكون خلقه ثاني مرة من كائن ما ، ونظيره قوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ
في سورة الطارق [ 5 - 8 ] .
والضمير المستتر في قوله :
خَلَقَهُ
عائد إلى للّه تعالى المعلوم من فعل الخلق لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن اللّه خالق الإنسان .
وقدم الجار والمجرور في قوله :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ
محاكاة لتقديم المبيّن في السؤال الذي اقتضي تقديمه كونه استفهاما يستحق صدر الكلام ، مع الاهتمام بتقديم ما منه الخلق ، لما في تقديمه من التنبيه للاستدلال على عظيم حكمة اللّه تعالى إذ كوّن أبدع مخلوق معروف من أهون شيء وهو النطفة .
وإنما لم يستغن عن إعادة فعل خلقه في جملة الجواب مع العلم به بتقدم ذكر حاصله في السؤال لزيادة التنبيه على دقة ذلك الخلق البديع .
فذكر فعل
خَلَقَهُ
الثاني من أسلوب المساواة ليس بإيجاز ، وليس بإطناب .
والنطفة : الماء القليل ، وهي فعلة بمعنى مفعولة كقولهم : قبضة حب ، وغرفة ماء .
وغلب إطلاق النطفة على الماء الذي منه التناسل ، فذكرت النطفة لتعيّن ذكرها لأنها مادة خلق الحيوان للدلالة على أن صنع اللّه بديع فإمكان البعث حاصل ، وليس في ذكر النطفة هنا إيماء إلى تحقير أصل نشأة الإنسان لأن قصد ذلك محل نظر ، على أن المقام هنا للدلالة على خلق عظيم وليس مقام زجر المتكبر .
وفرع على فعل
خَلَقَهُ
فعل
فَقَدَّرَهُ
بفاء التفريع لأن التقدير هنا إيجاد الشيء على مقدار مضبوط منظم كقوله تعالى :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[ الفرقان : 2 ] أي جعل التقدير من آثار الخلق لأنه خلقه متهيئا للنماء وما يلابسه من العقل والتصرف وتمكينه من النظر بعقله ، والأعمال التي يريد إتيانها وذلك حاصل مع خلقه مدرّجا مفرعا .
وهذا التفريع وما عطف عليه إدماج للامتنان في خلال الاستدلال .
وحرف
ثُمَّ
من قوله :
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
للتراخي الرتبي لأن تيسير سبيل العمل الإنساني أعجب في الدلالة على بديع صنع اللّه لأنه أثر العقل وهو أعظم ما في خلق الإنسان وهو أقوى في المنة .