تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
جنس الطاعة لهم فيعم كل إجابة لطلب منهم ، فالطاعة مراد بها هنا المصالحة والملاينة كما في قوله تعالى :
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً
[ الفرقان : 52 ] ، أي لا تلن لهم . واختير تعريفهم بوصف المكذبين دون غيره من طرق التعريف لأنه بمنزلة الموصول في الإيماء إلى وجه بناء الحكم وهو حكم النهي عن طاعتهم فإن النهي عن طاعتهم لأنهم كذبوا رسالته . ومن هنا يتضح أن جملة
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
بيان لمتعلق الطاعة المنهي عنها ولذلك فصلت ولم تعطف . وفعل
تُدْهِنُ
مشتق من الإدهان وهو الملاينة والمصانعة ، وحقيقة هذا الفعل أن يجعل لشيء دهنا إما لتليينه وإما لتلوينه ، ومن هاذين المعنيين تفرعت معاني الإدهان كما أشار إليه الراغب ، أي ودّوا منك أن تدهن لهم فيدهنوا لك ، أي لو تواجههم بحسن المعاملة فيواجهونك بمثلها . والفاء في
فَيُدْهِنُونَ
للعطف ، والتسبب عن جملة
لَوْ تُدْهِنُ
جوابا لمعنى التمني المدلول عليه بفعل
وَدُّوا
بل قصد بيان سبب ودادتهم ذلك ، فلذلك لم ينصب الفعل بعد الفاء بإضمار ( أن ) لأن فاء المتسبب كافية في إفادة ذلك ، فالكلام بتقدير مبتدأ محذوف تقديره : فهم يدهنون . وسلك هذا الأسلوب ليكون الاسم المقدر مقدما على الخبر الفعلي فيفيد معنى الاختصاص ، أي فالإدهان منهم لا منك ، أي فاترك الإدهان لهم ولا تتخلق أنت به ، وهذه طريقة في الاستعمال إذا أريد بالترتبات أنه ليس تعليق جواب كقوله تعالى :
فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
[ الجن : 13 ] ، أي فهو لا يخاف بخسا ولا رهقا . وحرف
لَوْ
يحتمل أن يكون شرطيا ويكون فعل
تُدْهِنُ
شرطا ، وأن يكون جواب الشرط محذوفا ويكون التقدير : لو تدهن لحصل لهم ما يودون . ويحتمل أن يكون
لَوْ
حرفا مصدريا على رأي طائفة من علماء العربية أن
لَوْ
يأتي حرفا مصدريا مثل ( أن ) فقد قال بذلك الفراء والفارسي والتبريزي وابن مالك فيكون التقدير : ودوا إدهانك . ومفعول
وَدُّوا
محذوف دل عليه
لَوْ تُدْهِنُ
، أو هو المصدر بناء على أن
لَوْ
تقع حرفا مصدريا ، وتقدم في قوله تعالى :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
في سورة