[ المرسلات : 38 ] . واسم الإشارة الذي هو إشارة إلى القريب مستعمل في مشار إليه بعيد باعتبار قرب الحديث عنه على ضرب من المجاز أو التسامح .
واسم الإشارة مبتدأ و
يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ
خبر عنه .
وجملة
لا يَنْطِقُونَ
مضاف إليها
يَوْمُ
، أي هو يوم يعرّف بمدلول هذه الجملة ، وعدم تنوين
يَوْمُ
لأجل إضافته إلى الجملة كما يضاف ( حين ) والأفصح في هذه الأزمان ونحوه إذا أضيف إلى جملة مفتتحة ب
لا
النافية أن يكون معربا ، وهو لغة مضر العليا ، وأما مضر السفلى فهم يبنونه على الفتح دائما .
وعطف
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
على جملة
لا يَنْطِقُونَ
، أي لا يؤذن إذنا يتفرع عليه اعتذارهم ، أي لا يؤذن لهم في الاعتذار . فالاعتذار هو المقصود بالنفي ، وجعل نفي الإذن لهم توطئة لنفي اعتذارهم ، ولذلك جاء
فَيَعْتَذِرُونَ
مرفوعا ولم يجيء منصوبا على جواب النفي إذ ليس المقصود نفي الإذن وترتّب نفي اعتذارهم على نفي الإذن لهم إذ لا محصول لذلك ، فلذلك لم يكن نصب
فَيَعْتَذِرُونَ
مساويا للرفع بل ولا جائزا بخلاف نحو
لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا
[ فاطر : 36 ] فإن نفي القضاء عليهم وهم في العذاب مقصود لذاته لأنه استمرار في عذابهم ثم أجيب بأنه لو قضي عليهم لماتوا ، أي فقدوا الإحساس ، فمعنى الجوابية هنالك مما يقصد . ولذا فلا حاجة هنا إلى ما ادعاه أبو البقاء أن
فَيَعْتَذِرُونَ
استئناف تقديره : فهم يعتذرون ، ولا إلى ما قاله ابن عطية تبعا للطبري : إنه ينصب لأجل تشابه رؤوس الآيات ، وبعد فإن مناط النصب في جواب النفي قصد المتكلم جعل الفعل جوابا للنفي لا مجرد وجود فعل مضارع بعد فعل منفي .
واعلم أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي جاء فيها ما يقضي أنهم يعتذرون نحو قوله تعالى :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
[ غافر : 11 ] لأن وقت انتفاء نطقهم يوم الفصل .
وأما نطقهم المحكي في قوله :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
فذلك صراخهم في جهنم بعد انقضاء يوم الفصل ، وبنحو هذا أجاب ابن عباس نافع بن الأزرق حين قال نافع : إنّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال اللّه :
وَلا يَتَساءَلُونَ
[ المؤمنون : 101 ] ، وقال :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
[ الصافات : 27 ] فقال ابن عباس : لا يتساءلون في النفخة الأولى حين نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض فلا يتساءلون حينئذ ، ثم في النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون . والذي يجمع الجواب عن تلك الآيات