تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
و
الْعاجِلَةَ
: صفة لموصوف محذوف معلوم من المقام تقديره : الحياة العاجلة ، أو الدار العاجلة . والمراد بها مدة الحياة الدنيا . وكثر في القرآن إطلاق العاجلة على الدنيا كقوله :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
[ القيامة : 20 ، 21 ] فشاع بين المسلمين تسمية الدنيا بالعاجلة . ومتعلق
يُحِبُّونَ
مضاف محذوف ، تقديره : نعيم أو منافع لأن الحب لا يتعلق بذات الدنيا . وفي إيثار ذكر الدنيا بوصف العاجلة توطئة للمقصود من الذم لأن وصف العاجلة يؤذن بأنهم آثروها لأنها عاجلة . وفي ذلك تعريض بتحميقهم إذ رضوا بالدون لأنه عاجل وليس ذلك من شيم أهل التبصر ، فقوله :
وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
واقع موقع التكميل لمناط ذمهم وتحميقهم لأنهم لو أحبّوا الدنيا مع الاستعداد للآخرة لما كانوا مذمومين قال تعالى حكاية لقول الناصحين لقارون :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
[ القصص : 77 ] . وهذا نظير قوله تعالى :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
[ الروم : 7 ] إذ كان مناط الذم فيه هو أن قصروا أنفسهم على علم أمور الدنيا مع الإعراض عن العلم بالآخرة . ومثلوا بحال من يترك شيئا وراءه فهو لا يسعى إليه وإنما يسعى إلى ما بين يديه . وإنما أعرضوا عنه لأنهم لا يؤمنون بحلوله فكيف يسعون إليه . وصيغة المضارع في
يَذَرُونَ
تقتضي أنهم مستمرون على ذلك وأن ذلك متجدد فيهم ومتكرر لا يتخلفون عن ذلك الترك لأنهم لا يؤمنون بحلول ذلك اليوم ، فالمسلمون لا يذرون وراءهم هذا اليوم لأنهم لا يخلون من عمل له على تفاوت بينهم في التقوى . واليوم الثقيل : هو يوم القيامة ، وصف بالثقيل على وجه الاستعارة لشدة ما يحصل فيه من المتاعب والكروب فهو كالشئ الثقيل الذي لا يستطاع حمله . والثقل : يستعار للشدة والعسر قال تعالى :
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 187 ] وقال :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
[ المزمل : 5 ] . [ 28 ]

[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 28 ]

نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 ) لما كان الإخبار عنهم بأنهم
يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
[ الإنسان : 27 ] يتضمن أنهم
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 378 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور