تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وجوّز الزجاج أن يكون الضمير راجعا إلى نار الدنيا ، أي أنها تذكر للناس بنار الآخرة ، يريد أنه من قبيل قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً
[ الواقعة : 71 - 73 ] . وفيه محسن الاستخدام . وقيل : المعنى : وما عدتهم إلّا ذكرى للناس ليعلموا غنى اللّه عن الأعوان والجند فلا يظلوا في استقلال تسعة عشر تجاه كثرة أهل النار . وإنما حملت الآية هذه المعاني بحسن موقعها في هذا الموضع وهذا من بلاغة نظم القرآن . ولو وقعت إثر قوله :
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
[ المدثر : 29 ] لتمحض ضمير
وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى
للعود إلى سقر ، وهذا من الإعجاز بمواقع جمل القرآن كما في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير . وبين لفظ البشر المذكور هنا ولفظ البشر المتقدم في قوله :
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
التّجنيس التام . [ 32 - 37 ]

[ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 32 إلى 37 ]

كَلاَّ وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 )
كَلَّا
.
كَلَّا
حرف ردع وإبطال . والغالب أن يقع بعد كلام من متكلم واحد أو من متكلم وسامع مثل قوله تعالى :
قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ الشعراء : 61 ، 62 ] فيفيد الردع عما تضمنه الكلام المحكي قبله . ومنه قوله تعالى :
كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ
في سورة مريم [ 79 ] ، ويجوز تقديمه على الكلام إذا أريد التعجيل بالردع والتشويق إلى سماع ما بعده ، وهو هنا محتمل لأن يكون إبطالا لما قبله من قولهم : فإذا أراد اللّه بهذا مثلا ، فيكون ما بينهما اعتراضا ويكون قوله
وَالْقَمَرِ
ابتداء كلام فيحسن الوقف على
كَلَّا
. ويحتمل أن يكون حرف إبطال مقدما على الكلام الذي بعده من قوله :
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ
تقديم اهتمام لإبطال ما يجيء بعده من مضمون قوله :
نَذِيراً لِلْبَشَرِ
، أي من حقهم أن ينتذروا بها فلم ينتذر أكثرهم على نحو معنى قوله :
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى
[ الفجر : 23 ] فيحسن أن توصل في القراءة بما بعدها . أدبر
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 298 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور