عطفت بالفاء على الذاريات بمعنى الرياح لأنها ناشئة عنها فكأنها هي .
و
فَالْجارِياتِ يُسْراً
: الرياح تجري بالسحاب بعد تراكمه وقد صار ثقيلا بماء المطر ، فالتقدير : فالجاري بذلك الوقر يسرا .
ومعنى اليسر : اللين والهون ، أي الجاريات جريا ليّنا هيّنا شأن السير بالثقل ، كما قال الأعشى :
كأنّ مشيتها من بيت جارتها * مشي السحابة لا ريث ولا ريث ولا عجل
ف
يُسْراً
وصف لمصدر محذوف نصب على النيابة عن المفعول المطلق .
و
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
الرياح التي تنتهي بالسحاب إلى الموضع الذي يبلغ عنده نزول ما في السحاب من الماء أو هي السحب التي تنزل ما فيها من المطر على مواضع مختلفة .
وإسناد التقسيم إليها على المعنيين مجاز بالمشابهة . وروي عن الحسن
فَالْمُقَسِّماتِ
السحب بقسم اللّه بها أرزاق العباد » اه . يريد قوله تعالى : وأنزلنا
مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
إلى قوله :
رِزْقاً لِلْعِبادِ
في سورة ق [ 9 - 11 ] .
ومن رشاقة هذا التفسير أن فيه مناسبة بين المقسم به والمقسم عليه وهو قوله :
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
فإن أحوال الرياح المذكورة هنا مبدؤها : نفخ ، فتكوين ، فإحياء ، وكذلك البعث مبدؤه : نفخ في الصور ، فالتئام أجساد الناس التي كانت معدومة أو متفرقة ، فبثّ الأرواح فيها فإذا هم قيام ينظرون . وقد يكون قوله تعالى :
أَمْراً
إشارة إلى ما يقابله في المثال من أسباب الحياة وهو الروح لقوله :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] .
و ( ما ) من قوله :
إِنَّما تُوعَدُونَ
موصولة ، أي إن الذي توعدونه لصادق . والخطاب في
تُوعَدُونَ
للمشركين كما هو مقتضى التأكيد بالقسم وكما يقتضيه تعقيبه بقوله :
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
[ الذاريات : 8 ] .
فيتعين أن يكون
تُوعَدُونَ
مشتقا من الوعيد الذي ماضيه ( أوعد ) ، وهو يبنى للمجهول فأصل
تُوعَدُونَ
تؤوعدون بهمزة مفتوحة بعد تاء المضارعة وواو بعد الهمزة هي عين فعل ( أوعد ) وبفتح العين لأجل البناء المجهول فحذفت الهمزة على ما هو المطّرد من حذف همزة أفعل في المضارع مثل تكرمون ، وسكنت الواو سكونا ميتا لأجل وقوع الضمة قبلها بعد أن كان سكونها حيّا فصار
تُوعَدُونَ
ووزنه تفعلون .