و ( في ) للظرفية المجازية وهي شدة الملابسة الشبيهة بملابسة الظرف للمظروف مثل
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
[ البقرة : 15 ] .
والمقصود بقوله :
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
الكناية عن لازم الاختلاف وهو التردد في الاعتقاد ، ويلزمه بطلان قولهم وذلك مصبّ التأكيد بالقسم وحرف ( إن ) واللام .
و
يُؤْفَكُ
: يصرف . والأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء : الصرف . وأكثر ما يستعمل في الصرف عن أمر حسن ، قاله مجاهد كما في « اللسان » ، وهو ظاهر كلام أئمة اللغة والفراء وشمّر وذلك مدلوله في مواقعه من القرآن .
وجملة
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
يجوز أن تكون في محل صفة ثانية ل
قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله :
وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
[ الذاريات : 6 ] ، فتكون جملة
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
معترضة بين الجملة البيانية والجملة المبيّن عنها . ثم إن لفظ
قَوْلٍ
يقتضي شيئا مقولا في شأنه فإذ لم يذكر بعد
قَوْلٍ
ما يدل على مقول صلح لجميع أقوالهم التي اختلقوها في شأنه للقرآن ودعوة الإسلام كما تقدم .
فلما جاء ضمير غيبة بعد لفظ
قَوْلٍ
احتمل أن يعود الضمير إلى
قَوْلٍ
لأنه مذكور ، وأن يعود إلى أحوال المقول في شأنه فقيل ضمير
عَنْهُ
عائد إلى
قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
وأن معنى
يُؤْفَكُ عَنْهُ
يصرف بسببه ، أي يصرف المصروفون عن الإيمان فتكون ( عن ) للتعليل كقوله تعالى :
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ
[ هود : 53 ] وقوله تعالى :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
[ التوبة : 114 ] ، وقيل ضمير
عَنْهُ
عائد إلى
ما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 22 ] أو عائد إلى
الدِّينَ
[ الذاريات : 6 ] ، أي الجزاء أن يؤفك عن الإيمان بالبعث والجزاء من أفك . وعن الحسن وقتادة : أنه عائد إلى القرآن أو إلى الدين ، أي لأنهما مما جرى القول في شأنهما ، وحرف ( عن ) للمجاوزة .
وعلى كل فالمراد بقوله
مَنْ أُفِكَ
المشركون المصروفون عن التصديق . والمراد بالذي فعل الإفك المجهول المشركون الصارفون لقومهم عن الإيمان ، وهما الفريقان اللذان تضمنهما قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
[ فصلت : 26 ] .
وإنما حذف فاعل
يُؤْفَكُ
وأبهم مفعوله بالموصولية للاستيعاب مع الإيجاز .